الجمع ، إذ التوحيد في مقام الجمع يلزمه البقاء الأبدي الذي هو المعاد الحقيقي ،
وشاهدوا الجمع في تفاصيل الكثرة ولم يحتجبوا بالجمع عن التفصيل الذي هو باطن
عالم الملائكة وظاهر عالم النبيين . * ( والكتاب ) * الذي جمع بين الظاهر بالأحكام
والمعارف ، وأفاد علم الاستقامة ثم استقاموا بعد تمام التوحيد جمعاً وتفصيلاً بالأعمال
المذكورة ، فإن الاستقامة عبارة عن وقوف جميع القوى على حدودها بالأمر الإلهي
لتنورها بنور الروح عند تحقق صاحبها بالله في مقام البقاء بعد الفناء وذلك مقام
العدالة ، فتكون هي في ظل الحق منخرطة في سلك الوحدة بكليتها . * ( على حبه ) *
أي : في حال الاحتياج إليه والشح به ، كما قال ابن مسعود : أن تؤتيه وأنت صحيح
شحيح ، تأمل العيش ، وتخشى الفقر ، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم ، قلت
لفلان : كذا ، ولفلان : كذا . قال الله تعالى * ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) * [ الحشر ، الآية : 59 ] أو على حب الله لئلا يشغل قلبه عنه ولأنه تعالى يرضى
بإيتائه أو على حب الإيتاء ، يعني : بطيب النفس ، فإن الكريم هو الفرح وطيب النفس
بالإعطاء . ومن قوله : * ( وآتى المال ) * إلى قوله : * ( وآتى الزكاة ) * من باب العفة التي
هي كمال القوة الشهوانية ووقوفها على حدها فيما يتعلق بها ، وقوله : * ( والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ) * من باب العدالة المستلزمة للحكمة التي هي كمال القوة النطقية
فإنها ما لم تعلم تبعه الغدر والخيانة وفائدة الفضيلة المقابلة لهما ، لم تف بالعهد .
وقوله : * ( والصابرين في البأساء ) * أي : الشدة والفقر * ( والضراء ) * أي : المرض والزمانة
* ( وحين البأس ) * أي : الحرب من باب الشجاعة التي هي كمال القوة الغضبية
* ( أولئك ) * الموصوفون بهذه الفضائل كلها ، الثابتون في مقام الاستقامة * ( الذين صدقوا ) * الله في مواطن التجريد بأفعالهم التي هي البر كله * ( وأولئك هو المتقون ) * عن
محبة غير الله حتى النفس ، المجردون عن غواشي النشأة والطبيعة .
ويمكن أن يؤول المال بالعلم الذي هو مال القلب ، لأنه يقوى به ويستغنى ،
أي : أعطي العلم مع كونه محبوباً ذوي قربى القوى الروحانية لقربها منه ، ويتامى
القوى النفسانية لانقطاعها عن نور الروح الذي هو الأب الحقيقي ومساكين القوى
الطبيعية لكونها دائمة السكون لثواب البدن وعلمها علم الأخلاق والسياسات الفاضلة .
ثم إذا ارتوى من العلم ، علم المعارف والأخلاق والآداب والمعايش جملة وتفصيلاً
وفرغ من نفسه ، أفاض على أبناء السبيل ، أي : السالكين والسائلين ، أي : طلبة العلم
وفي فك رقاب عبدة الدنيا والشهوات من أسرهم بالوعظ والخطابة وأقام صلاة
الحضور ، أي : أدامها بالمشاهدة ، وآتى ما يزكي نفسه عن النظر إلى الغير ، والتفاتات
تفسير ابن عربي — صفحة 88
مساهمون: ابن عربي
ص٨٨