السنية وما أودع الله فيهم من النورية والسنا ، وما ألبسهم من العز والبهاء * ( لوليت
عنهم ) * فاراً لعدم اعتقادك بالنفوس المجردة وأحوالها وعدم استعدادك لقبول كمالهم ،
أو لوليت منهم للفرار عنهم وعن معاملاتهم لميلك إلى اللذات الحسية والأمور
الطبيعية * ( ولملئت منهم رعبا ) * من أحوالهم ورياضاتهم ، أو لو اطلعت عليهم بعد
الوصول إلى الكمال وعلى أسرارهم ومقاماتهم في الوحدة لأعرضت عنهم وفررت من
أحوالهم وملئت منهم رعباً لما ألبسهم الله من عظمته وكبريائه . وأين الحدث من
القدم ، وأنى يسع الوجود والعدم .
* ( وكذلك بعثناهم ) * أي : مثل ذلك البعث الحقيقي والإحياء المعنوي بعثناهم
* ( ليتساءلوا بينهم ) * أي : ليتباحثوا بينهم عن المعاني المودعة في استعدادهم الحقائق
المكنونة في ذواتهم فيكملوا بإبرازها وإخراجها إلى الفعل ، وهو أول الانتباه الذي
تسميه المتصوفة اليقظة * ( قال قائل منهم كم لبثتم ) * مر تأويله ، والمحققون منهم هم
الذين * ( قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة ) * هذا هو
زمان استبصارهم واستفادتهم واستكمالهم . والورق هو ما معهم من العلوم الأولية التي
لا تحتاج إلى كسب ، إذ بها تستفاد الحقائق الذهنية من العلوم الحقيقية والمعارف
الإلهية . والمدينة محل الاجتماع ، إذ لا بد من الصحبة والتربية أو مدينة العلم من قوله
صلى الله عليه وسلم : ' أنا مدينة العلم وعلي بابها ' . وإنما بعثوا أحدهم لأن كمال الكل غير
موقوف على التعليم والتعلم بل الكمال الأشرف هو العلمي فيكفي تعلم البعض عن
كل فرقة وتنبيه الباقين كما قال تعالى : * ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ) * [ التوبة ، الآية : 122 ] .
* ( فلينظر أيها أزكى طعاما ) * أي : أهلها أطيب وأفضل علماً وأنقى من الفضول
واللغو والظواهر كعلم الخلاف والجدل والنحو وأمثالها التي لا تتقوى ولا تكمل بها
النفس كقوله : * ( لا يسمن ولا يغني من جوع ( 7 ) ) * [ الغاشية ، الآية : 7 ] ، إذ العلم غذاء
القلب كالطعام للبدن وهو الرزق الحقيقي الإلهي * ( وليتلطف ) * في اختيار الطعام ومن
يشتري منه أي : ليختر المحقق الزكي النفس ، الرشيد السمت ، الفاضل السيرة ، النقي
السريرة ، الكامل المكمل دون الفضولي الظاهري الخبيث النفس ، المتعالم ، المتصدر ،
لإفادة ما ليس عنده ليستفيد بصحبته ويظهر كماله بمجالسته ويستبصر بعلمه فيفيدنا أو
ليتلطف في أمره حتى لا يشعر بحالكم ودينكم ، جاهل من غير قصد له * ( ولا يشعرن بكم أحدا ) * من أهل الظاهر المحجوبين وسكان عالم الطبيعة المنكرين ، وإن أولنا
أصحاب الكهف بالقوى الروحانية فالمبعوث هو الفكر ، والمدينة محل اجتماع القوى
الروحانية والنفسانية والطبيعة والذي هو أزكى طعاماً العقل دون الوهم والخيال
والحواس ، لأن كل مدرك له طعام والرزق هو العلم النظري على كلا التقديرين ، ولا
تفسير ابن عربي — صفحة 422
مساهمون: ابن عربي
ص٤٢٢