من مراداتها وأهوائها * ( فأووا إلى الكهف ) * إلى البدن لاستعمال الآلات البدنية في
الاستكمال بالعلوم والأعمال ، وانخزلوا فيه منكسرين ، مرتاضين ، كأنهم ميتون بترك
الحركات النفسانية والنزوات البهيمية والسطوات السبعية ، أي : موتوا موتاً إرادياً * ( ينشر لكم ربكم من رحمته ) * حياة حقيقية بالعلم والمعرفة * ( ويهيئ لكم من أمركم مرفقا ) *
كما لا ينتفع به بظهور الفضائل وطلوع أنوار التجليات ، فتلتذون بالمشاهدات وتتمتعون
بالكمالات كما قال تعالى : * ( أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ) * [ الأنعام ، الآية : 122 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم في أبي بكر رضي الله عنه : ' من أراد
أن ينظر ميتاً يمشي على وجه الأرض فلينظر أبا بكر ' ، أي : ميتاً عن نفسه يمشي
بالله . أو وإذ اعتزلتم قومكم ومعبوداتهم غير الله من مطالبهم المختلفة ، ومقاصدهم
المتشتتة ، وأهوائهم المتفننة ، وأصنامهم المتخذة ، فأووا إلى كهوف أبدانكم وامتنعوا
عن فضول الحركات والخروج في أثر الشهوات ، واعكفوا على الرياضات ، * ( ينشر لكم ربكم من رحمته ) * [ الكهف ، الآية : 16 ] زيادة كمال وتقوية ونصرة بالأمداد
الملكوتية ، والتأييدات القدسية ، فيغلبكم عليهم ويهيئ لكم ديناً وطريقاً ينتفع به ،
وقبولاً يهتدي بكم الخلائق ناجين . وفي المأوى إلى الكهف عند مفارقتهم سر آخر
يفهم من دخول المهدي في الغار إذا خرج ونزل عيسى والله أعلم . وفي نشر الرحمة
وتهيئة المرفق من أمرهم عند الأوي إلى الكهف إشارة إلى أن الرحمة الكامنة في
استعدادهم إنما تنتشر بالتعلق البدني والكمال بتهيئاته .
[ تفسير سورة الكهف آية 17 ]
* ( وترى الشمس ) * أي : شمس الروح * ( إذا طلعت ) * أي : ترقت بالتجرد عن
غواشي الجسم وظهرت من أفقه تميل بهم من جهة البدن وميله ومحبته إلى جهة
اليمين أي : جانب عالم القدس وطريق أعمال البر من الخيرات والفضائل والحسنات
والطاعات . وسيرة الأبرار ، فإن الأبرار هم أصحاب اليمين . * ( وإذا غربت ) * أي :
هوت في الجسم واحتجبت به ، واختفت في ظلماته وغواشيه ، وخمد نورها ، تقطعهم
وتفارقهم كائنين في جهة الشمال ، أي : جانب النفس وطريق أعمال السوء فينهمكون
في المعاصي والسيئات والشرور والرذائل . وسيرة الفجار الذين هم أصحاب الشمال
* ( وهم في فجوة منه ) * أي : في مجال متسع من بدنهم هو مقام النفس والطبيعة ، فإن
فيه متفسحاً لا يصيبهم فيه نور الروح . واعلم أن الوجه الذي يلي الروح من القلب
موضع منور بنور الروح يسمى العقل وهو الباعث على الخير والمطرق لإلهام الملك
تفسير ابن عربي — صفحة 420
مساهمون: ابن عربي
ص٤٢٠