* ( ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ) * أي : نبعث نبيهم على غاية الكمال الذي
يمكن لأمته الوصول إليه أو التقرب منه والتوجه إليه لإمكان معرفتهم إياه فيعرفونه ،
ولهذا يكون لكل أمة شهيد غير شهيد الأمة الأخرى ، ويعرف كل من قصر وخالف
نبيه بالإعراض عن الكمال الذي هو يدعو إليه ، والوقوف في حضيض النقصان قصوره
واحتجابه فلا حجة له ولا نطق ، فيبقى متحيراً متحسراً ، وهو معنى قوله : * ( ثم لا يؤذن للذين كفروا ) * ولا سبيل له إلى إدراك ما فاته من كماله لعدم آلته ، ولا يمكن أن
يرضى بحاله لقوة استعداده الفطري الذي جبل عليه ، وشوقه الأصلي الغريزي إليه ،
فهو مكظوم لا يستعتب ولا يسترضي .
* ( وألقوا إلى الله يومئذ السلم ) * أي : الاستسلام والانقياد . وقد جاء إنكارهم
كقوله تعالى : * ( يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ) * [ المجادلة ، الآية : 18 ]
وذلك بحسب المواقف ، فالإنكار في الموقف الأول وقت قوة هيئات الرذائل وشدة
شكيمة النفس في الشيطنة ، وغاية البعد عن النور الإلهي للاحتجاب بالحجب الغليظة
والغواشي المظلمة حتى لا يعلم أنه كان يراه ويطلع عليه ونهاية تكدر نور الفطرة حتى
يمكنه إظهار خلاف مقتضاه . والاستسلام في الموقف الثاني بعد مرور أحقاب كثيرة
من ساعات اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة حين زالت الهيئات ، ورقت
وضعفت شراشر النفس في رذائلها ، وقرب من عالم النور لرقة الحجب ولمعان نور
فطرته الأولى ، فيعترف وينقاد ، هذا إذا كان الاستسلام والإنكار لنفوس بعينها . وقد
يكون الاستسلام للبعض الذين لم ترسخ هيئات رذائلهم ، ولم تغلظ حجبهم ، ولم
ينطفئ نور استعدادهم . والإنكار لمن ترسخت فيه الهيئات وقويت وغلبت عليه
الشيطنة ، واستقرت وكثف الحجاب ، وبطل الاستعداد والله أعلم .
* ( وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ) * قد مر في سورة ( النساء ) ، * ( ونزلنا عليك الكتاب ) * أي : العقل الفرقاني بعد الوجود الحقاني * ( تبياناً لكل شيء ) * تبييناً وتحقيقاً
لحقية كل شيء ، وهداية لمن استسلم وانقاد لسلامة فطرته إلى كماله * ( ورحمة ) * له
بتبليغه إلى ذلك الكمال بالتربية والإمداد وبشارة له ببقائه على ذلك الكمال أبداً سرمداً
في الجنان الثلاث .
[ تفسير سورة النحل من آية 91 إلى آية 98
تفسير ابن عربي — صفحة 388
مساهمون: ابن عربي
ص٣٨٨