فطرته في الأصل وكون النور ذاتياً له بحسب الفطرة ، والكفر والاحتجاب إنما عرض
بمقتضى النشأة . وقد زال الحجاب العارضي . * ( ولكن من شرح بالكفر صدرا ) * أي :
طاب به نفساً ورضي واطمأن لكونه مستقره مأواه الأصلي * ( فعليهم غضب ) * عظيم ،
أي : غضب * ( من الله ولهم عذاب عظيم ) * لاحتجابهم عن جميع مراتب الأنوار من
الأفعال والصفات والذات ، فما أغلظ حجابهم وما أعظم عذابهم .
* ( ذلك ) * أي : انشراح الصدر بالكفر والرضا به * ( ب ) * سبب * ( أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ) * لكونها مبلغ علمهم ونهايته ، وما بلغ علمهم إلى الآخرة
لانسداد بصائر قلوبهم ومناسبة استعدادهم للأمور الغاسقة السفلية من المواد الجسمية ،
فأحبوا ما شعروا به ولاءم حالهم . وحب الدنيا رأس كل خطيئة لاستلزامه الحجاب
الأغلظ الذي لا خطيئة إلا تحته وفي طيه * ( وأن الله لا يهدي القوم الكافرين ) * أي :
المحجوبين بأغلظ الحجب لامتناع قبولهم للهداية .
* ( أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ) * بقساوتها وكدورتها في الأصل فلم ينفتح
لهم طريق الإلهام والفهم والكشف * ( وسمعهم وأبصارهم ) * بسد طريق المعنى المراد
من مسموعاتهم وطريق الاعتبار من مبصراتهم إلى القلب ، فلم يؤثر فيهم شيء من
أسباب الهداية من طريق الباطن من فيض الروح وإلقاء الملك وإشراق النور ولا من
طريق الظاهر بطريق التعليم والتعلم والاعتبار من آثار الصنع * ( وأولئك هم الغافلون ) *
بالحقيقة لعدم انتباههم بوجه من الوجوه وامتناع تيقظهم من نوم الجهل بسبب من
الأسباب . * ( لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ) * الذين ضاعت دنياهم التي
استنفدوا في تحصيلها وسعهم ، وأتلفوا في طلبها أعمارهم ، وليسوا من الآخرة في
شيء إلا في عذاب هيئات التعلقات ووبال التحسرات .
* ( ثم إن ربك للذين هاجروا ) * أي : تباعد بين هؤلاء المحجوبين الذين : إن ربك
عليهم بالغضب والقهر ، وبين الذين : إن ربك لهم بالرضا والرحمة وهم الذين هاجروا
عن مواطن النفس بترك المألوفات والمشتهيات * ( من بعد ما فتنوا ) * وابتلوا بحكم النشأة
البشرية * ( ثم جاهدوا ) * في الله بالرياضات وسلوك طريقه بالترقي في المقامات والتجريد
عن الهيئات والتعلقات * ( وصبروا ) * على ما تحب النفس وتكرهه بالثبات في السير * ( إن ربك من ) * بعد هذه الأحوال * ( لغفور ) * لهم بستر غواشي الصفات النفسانية * ( رحيم ) *
بإفاضة الكمالات وإبدال صفاتهم بالصفات الإلهية .
[ تفسير سورة النحل من آية 112 إلى آية 119 ]
تفسير ابن عربي — صفحة 391
مساهمون: ابن عربي
ص٣٩١