* ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ) * أي : بكلام يناسب ما عليه حالهم
بحسب استعدادهم وعلى قدر عقولهم وإلا لم يفهموا لبعد ذلك المعنى عن أفهامهم
وعدم مناسبته لمقامهم ، فلم يمكنه أن يبين لهم ما في استعدادهم الأول بالقوة من
الكمال اللائق به وما تقتضيه هوياتهم بحسب الفطرة * ( فيضل الله من يشاء ) * لزوال
استعداده بالهيئات الظلمانية ورسوخها والاعتقادات الباطلة واستقرارها * ( ويهدي من يشاء ) * ممن بقي على استعداده أو لم يترسخ فيه حواجب هيئاته وصور اعتقاداته * ( وهو العزيز ) * القوي الذي لا يغلب على مشيئته فيهدي من يشاء هدايته ويضل من يشاء
ضلالته * ( الحكيم ) * الذي يدبر أمر هداية المهتدي بأنواع اللطف وأمر ضلال الضال
بأصناف الخذلان على مقتضى الحكمة البالغة .
* ( إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) * أي : لكل مؤمن بالإيمان الغيبي إذ
الصبر والشكر مقامان للسالك قبل الوصول حال العقد الإيماني والسير في الأفعال
لتحصيل رتبة التوكل ، وحينئذ آياته التي يعتبر بها ويستمدها يتمسك بها ويعتمدها في
سلوكه هي الأفعال ، فكلما رأى نعمة أو سمع بها أو وصلت إليه من هداية وغيرها
شكره باللسان وبالقلب بتصوره من عند الله ، وبالجوارح بحسن التلقي والقبول والطاعة
والعمل بمقتضاها على ما ينبغي ، وكلما رأى أو سمع بلاء أو نزل به صبر بحفظ
اللسان عن الجزع . وقول : * ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) * [ البقرة ، الآية : 156 ] وربط القلب
وتصور أن له فيه خير أو مصلحة وإلا لما ابتلاه الله به ومنع الجوارح عن الاضطراب .
[ تفسير سورة إبراهيم من آية 10 إلى آية 23 ]
تفسير ابن عربي — صفحة 369
مساهمون: ابن عربي
ص٣٦٩