* ( والذين كذبوا ) * بتجليات صفاتنا لاحتجابهم بغواشي صفات نفوسهم * ( صم ) *
بآذان القلوب فلا يسمعون كلام الحق * ( وبكم ) * بألسنتها التي هي العقول فلا ينطقون
بالحق في ظلمات صفات نفوسهم وجلابيب أبدانهم وغشاوات طبائعهم كالدواب ،
فكيف يصدقونك وما هداهم الله لذلك بالتوفيق * ( من يشأ الله يضلله ) * بإسبال حجب
جلاله * ( ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ) * بإشراق نور وجهه وسبحات جماله
* ( قل أرأيتكم ) * إلى آخره ، أي : كل مشرك عند وقوعه في العذاب أو عند حضور
الموت إن فسرنا الساعة بالقيامة الصغرى أو رفع الحجاب بالهداية الحقانية إلى التوحيد
الحقيقي ، إن فسرناها بالقيامة الكبرى يتبرأ عن حول من أشركه بالله وقوته ويتحقق أن
لا حول ولا قوة إلا بالله ولا يدعو إلا الله ، وينسى كل من تمسك به وأشركه بالله من
الوسائل ، ولهذا قيل : البلاء سوط من سياط الله ، يسوق عباده . أما ترى كيف عقب
كلامه بمقارنة الأخذ بالبأساء والضراء بإرسال الرسل .
لعل تضاعف أسباب اللطف ، كقود الأنبياء وسوق العذاب ، يزعجهم عن مقار
نفوسهم ويكسر سورتها وشدة شكيمتها ، فيطيعوا ويبرزوا من الحجاب وينقادوا
متضرعين عند تجلي صفة القهر وتأثيرها فيهم ، ثم بين أنهم ما تضرعوا لقساوة قلوبهم
بكثافة الحجاب وغلبة غش الهوى وحب الدنيا وميل اللذات الجسمانية .
[ تفسير سورة الأنعام من آية 51 إلى آية 53 ]
* ( وأنذر به الذين يخافون ) * أي : أنذر بما أوحي إليك المستعدين الذين هم أهل
الخوف والرجاء ، وأعرض عن الذين قست قلوبهم فإنه لا ينجع فيهم كما قال في أول
الكتاب : * ( هدى للمتقين ) * [ البقرة ، الآية : 2 ] . * ( أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ) * أي : يعلمون بصفاء استعدادهم أنه لا بد من الرجوع إلى الله ،
فيخافون أن يحشروا إليه في حال كونهم محجوبين عنه بحجب صفاتهم وأفعالهم لا
ولي ينصرهم غير الله فينقذهم من ذلة البعد وعذاب الحرمان ، ولا شفيع يشفع لهم
تفسير ابن عربي — صفحة 223
مساهمون: ابن عربي
ص٢٢٣