شهيد بحسب ما دعاهم إليه نبيهم وعرفه لهم وما دعاهم إلا إلى ما وصل إليه من
مقامه في المعرفة ، ولا يبعث نبي إلا بحسب استعداد أمته فهم يعرفون الله بنور
استعدادهم في صورة كمال نبيهم . ولهذا ورد في الحديث : إن الله يتجلى لعباده في
صورة معتقدهم ، فيعرفه كل واحد من الملل والمذاهب ، ثم يتحول عن تلك الصورة ،
فيبرز في صورة أخرى فلا يعرفه إلا الموحدون الداخلون في حضرة الأحدية من كل
باب . وكما أن لكل أمة شهيداً ، فكذلك لكل أهل مذهب شهيد ، ولكل واحد شهيد
يكشف عن حال مشهوده ، وأما المحمديون فشهيدهم الله المحبوب الموصوف بجميع
الصفات لمكان كمال نبيهم وكونه حبيباً مؤتى جوامع الكلم ، متمماً لمكارم الأخلاق ،
فلا جرم يعرفونه عند التحول في جميع الصور إذا تابعوا نبيهم حق المتابعة ، وكانوا
أوحديين محبوبين كنبيهم .
[ تفسير سورة النساء من آية 42 إلى آية 43 ]
* ( يومئذ يود الذين كفروا ) * بالاحتجاب عن الحق * ( وعصوا الرسول ) * بالاحتجاب
عن الدين * ( لو تسوى بهم ) * أرض الاستعداد ، فتنطمس نفوسهم أو تصير ساذجة لا
نقش فيها من العقائد الفاسدة الرذائل الموبقة * ( ولا يكتمون الله حديثا ) * أي : لا
يقدرون على كتم حديث من تلك النقوش حتى لا يتعذبون بعقابه .
* ( يا أيها الذين آمنوا ) * بالإيمان العلمي ، فإن المؤمن بالإيمان العيني لا يكون في
صلاته غافلاً * ( لا تقربوا الصلاة ) * أي : لا تقربوا مقام الحضور والمناجاة مع الله في
حال كونكم * ( سكارى ) * من نوم الغفلة ، أو من خمور الهوى ومحبة الدنيا * ( حتى تعلموا ما تقولون ) * في مناجاتكم ولا تشتغل قلوبكم بأشغال الدنيا ووساوسها فتذهلوا
عنه ، ولا في حال كونكم بعداء عن الحق بشدة الميل إلى النفس ومباشرة لذاتها
وشهواتها وحظوظها والركون إليها * ( إلا عابري سبيل ) * أي : مارين عليها ، سالكي
طريق من طرق تمتعاتها بقدر الضرورة والمصلحة كعبور طريق الاغتذاء بالمطعم
والمشرب لسد الرمق وحفظ القوة ، والاكتساء لدفع الحر والبرد وستر العورة ،
والمباشرة لحفظ النسل لا منجذبين إليها بالكلية بمجرد الهوى فتنطبع فيكم فلا يمكن
زوالها أو يتعذر * ( حتى تغتسلوا ) * أي : تتطهروا عن تلك الهيئة الحاصلة من الانجذاب
تفسير ابن عربي — صفحة 166
مساهمون: ابن عربي
ص١٦٦