فتحتجبوا وتتعذبوا بنيران الحرمان منه * ( إن الله كان بكل شيء ) * مما يخفى عليكم ،
كامناً في استعدادكم بالقوة * ( عليما ) * فيجيبكم بما يليق بكم كما قال : * ( وءاتكم من
كل ما سألتموه ) * [ إبراهيم ، الآية : 34 ] أي : بلسان الاستعداد الذي ما دعاه أحد به إلا
أجاب ، كما قال : * ( ادعوني أستجب لكم ) * [ غافر ، الآية : 40 ] .
* ( واعبدوا الله ) * خصصوه بالتوجه إليه ، والفناء فيه ، الذي هو غاية التذلل * ( ولا تشركوا به شيئا ) * بإثبات وجوده * ( وبالوالدين إحسانا ) * وأحسنوا بالروح والنفس اللذين
تولد القلب منهما وهو حقيقتكم ، لستم إلا إياه ، ووفوا حقوقهما وراعوهما حق
المراعاة بالاستفاضة من الأول ، والتوجه إليه بالتسليم والتعظيم وتزكية الثانية ، وحفظها
من أدناس محبة الدنيا ، والتذلل بالحرص والشره وأمثالهما ، ومن شر الشيطان وعداوته
إياها وأعينوها بالرأفة والحمية بتوفير حقوقها عليها ، ومنع الحظوظ عنها * ( وبذي القربى ) * الذي يناسبكم في الحقيقة بحسب القرب في الاستعداد الأصلي والمشاكلة
الروحانية * ( واليتامى ) * المستعدين المنقطعين عن نور الروح القدسي الذي هو الأب
الحقيقي ، بالاحتجاب عنه * ( والمساكين ) * العاملين الذين لا مال لهم ، أي : لا لاحظ
من
العلوم والمعارف والحقائق ، فسكنوا ولم يقدروا على المسير وهم السعداء الصالحون
الذين مآلهم إلى جنة الأفعال .
* ( والجار ذي القربى ) * الذي هو في مقام من مقامات السلوك ، قريب من مقامك
* ( والجار الجنب ) * الذي هو في مقامه بعيد من مقامك ، * ( والصاحب بالجنب ) * والرفيق
الذي هو في عين مقامكم ويرافقكم في سيركم * ( وابن السبيل ) * أي : السالك في طريق
الحق ، الداخل في الغربة عن مأوى النفس الذي لم يصل إلى مقام من مقامات أهل
الله * ( وما ملكت أيمانكم ) * من أهل إرادتكم ومحبتكم ، الذين هم عبيدكم كلاً بما
يناسبه ويليق به من أنواع الإحسان ، وإن شئت أولت ذي القربى بما يتصل به من
الملكوت العالية من المجردات واليتامى بالقوى الروحانية كما مر . والمساكين بالقوى
النفسانية من الحواس الظاهرة وغيرها . والجار ذي القربى بالعقل ، والجار الجنب
بالوهم ، والصاحب بالجنب بالشوق والإرادة ، وابن السبيل بالفكر ، والمماليك
بالملكات المكتسبة التي هي مصادر الأفعال الجميلة .
* ( إن الله لا يحب من كان مختالا ) * يسعى في السلوك بنفسه لا بالله ، معجباً
بأعماله * ( فخورا ) * مبتهجاً بأحواله ومقاماته وكمالاته ، محتجباً برؤيتها ورؤية اتصافه
بها .
تفسير سورة النساء من آية 37 إلى آية 41
تفسير ابن عربي — صفحة 164
مساهمون: ابن عربي
ص١٦٤