إليها ، المعبر عنها ب ' سدرة المنتهى ' أعني : مقام النهاية في الكمال ، ولم ينل درجة
المحبة ، لم يكن له بد من النزول مرة أخرى في صورة جسمانية ، يتبع الملة المحمدية
لنيل درجتها ، والله أعلم بحقائق الأمور .
[ تفسير سورة آل عمران من آية 59 إلى آية 60 ]
* ( إن مثل عيسى ) * أي : إن صفته عند الله في إنشائه بالقدرة من غير أب * ( كمثل آدم ) * في إنشائه من غير أبوين . واعلم أن عجائب القدرة لا تنقضي ولا قياس ثمة
على أن لتكون الإنسان من غير الأبوين نظيراً من عالم الحكمة ، فإن كثيراً من
الحيوانات الناقصة الغريبة الخلقة تتولد خلقاً في ساعة ، ثم تتناسل وتتوالد ، فكذا
الإنسان ، يمكن حدوثه بالتولد في دور من الأدوار ، ثم بالتولد ، وكذا التكون من غير
أب ، فإن مني الرجل أحر كثيراً من مني المرأة ، وفيه القوة العاقدة أقوى كما في
الإنفحة بالنسبة إلى الجبن ، والمنعقدة في مني المرأة أقوى ، كما في اللبن فإذا اجتمعا
تم العقد وانعقد ، ويتكون الجنين . فيمكن وجود مزاج إناثي قوي يناسب المزاج
الذكوري كما يشاهد في كثير من النسوان ، فيكون المتولد في كليتها اليمنى بمثابة مني
الذكر لفرط حرارته بمجاورة الكبد لمن مزاج كبدها صحيح قوي الحرارة ، والمتولد
في كليتها اليسرى بمثابة مني الأنثى فإذا احتملت المرأة لاستيلاء صورة ذكورية على
خيالها في النوم واليقظة بسبب اتصال روحها بروح القدس وبملك آخر ، ومحاكاة
الخيال ، ذلك كما قال تعالى : * ( فتمثل لها بشرا سويا ) * [ مريم ، الآية : 17 ] سبق المنيان
من الجانبين إلى الرحم فتكون في المنصب من الجانب الأيمن قوة العقد أقوى ، وفي
المنصب من الجانب الأيسر قوة الانعقاد ، فيتكون الجنين ويتعلق به الروح . وقوله :
* ( كن فيكون ) * إشارة إلى نفخ الروح وكونه من عالم الأمر ليس مسبوقاً بمادة ومدة ،
كخلق الجسد ، فيتناسب آدم وعيسى بما ذكر في اشتراكهما في خرق العادة وبكون
جسديهما مخلوقين من تراب العناصر ، مسبوقين بمادة ومدة وكون روحهما مبدعاً من
عالم الأمر ليس مسبوقاً بمادة ومدة .
[ تفسير سورة آل عمران من آية 61 إلى آية 63 ]
* ( فمن حاجك فيه ) * أي : في عيسى ، الآية . إن لمباهلة الأنبياء تأثيراً عظيماً سببه
تفسير ابن عربي — صفحة 131
مساهمون: ابن عربي
ص١٣١