وضع الحديث والكذب على النبيّ الأعظم ، وعلى الثقات من الصحابة الأوّلين والتابعين لهم بإحسان ، لا ينافي عند كثير من القوم الزهد والورع واتّصاف الرجل بالتقوى ، بل هو شعار الصالحين ويتقرّبون به إلى المولى سبحانه ؛ ومن هنا قال يحيى بن سعيد القطّان :
ما رأيت الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث « 1 » .
وقال القرطبي في التذكار « 2 » :
لا التفات لما وضعه الواضعون واختلقه المختلقون من الأحاديث الكاذبة والأخبار الباطلة في فضل سور القرآن وغير ذلك من فضائل الأعمال ، وقد ارتكبها جماعة كثيرة وضعوا الحديث حسبة كما زعموا ؛ يدعون الناس إلى فضائل الأعمال .
فكأنّ الكذب والإفك وقول الزور ليست من الفواحش ، ولم تكن فيها أيّ منقصة ومغمزة ، ولا تنافي شيئا من فضائل النفس ، ولا تمسّ كرامة ذويها .
فهذا حرب بن ميمون ، مجتهد عابد ، وهو أكذب الخلق .
وهذا الهيثم الطائي ، يقوم عامّة الليل بالصلاة ، وإذا أصبح يجلس ويكذب .
وهذا الحافظ عبد المغيث الحنبلي ، موصوف بالزهد والثقة والدين والصدق والأمانة والصلاح والاجتهاد واتّباع السنّة والآثار ، وهو يؤلّف من الموضوعات كتابا في فضائل يزيد بن معاوية .
وهذا أبو عمر الزاهد ، ألّف من الموضوعات كتابا في فضائل معاوية بن أبي سفيان .
فمن هنا ترى كثيرا من الوضّاعين المذكورين بين إمام مقتدى ، وحافظ
هامش
( 1 ) - مقدّمة صحيح مسلم [ 1 / 42 ] ؛ تاريخ بغداد 2 : 98 [ رقم 493 ] .
( 2 ) - التذكار : 155 .