تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
فلما كان في آخر النهار قال : ما بقي في رجاء ، فتهيأ في تجهيزي . فبكيت وبكى الحاضرون ، فقال : لا تكن إلا رجلا . لا تعمل عمل النساء . وأوصاني بأهله وأولاده ، ثم قمت في الليلة في حاجة ، فحدثني بعض فمن تركته عنده من أهله أنه أفاق مرعوبا فقال : بالله تقدموا إلي فإني أجد وحشة . فسئل : مم ذلك ؟ فقال : أرى صفا عن يميني فيهم أبو بكر وسعد وصورهم جميلة ، وثيابهم ، بيض ، وصفا عن يساري صورهم قبيحة فيهم أبدان بلا رؤوس وهؤلاء يطلبوني ، وهؤلاء يطلبوني ، وأنا أريد أروح إلى أهل اليمين . وكلما قال لي أهل الشمال مقالتهم قلت : والله ما أجيء إليكم ، خلوني . ثم أغفى إغفاءة ، ثم استيقظ فقال : الحمد لله خلصت منهم . قلت : وذكر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء وجلس عنده . وقال لابنه شهاب الدين غازي : تهيأ في تجهيزي ولا تغير هيئتك . وتُوُفّي ليلة الثامن والعشرين من جمادى الأولى . وركب السلطان إلى البويضا ، وأظهر التأسف والحزن عليه ، وقال : هذا كبيرنا وشيخنا . ثم حمل إلى تربة والده بسفح قاسيون . وكانت أمه خوارزمية عاشت بعده مدة . وكان جوادا ممدحا . ولم يزل في نكد وتعب لأنه كان ضعيف الرأي فيما يتعلق بالمملكة . وكان معتنيا بتحصيل الكتب النفيسة ، وتفرقت بعد موته . وقد وفد عليه راجح الحلي الشاعر وامتدحه ، فوصل إليه منه ما يزيد على أربعين ألف درهم ، وأعطاه على قصيدة واحدة ألف دينار . وأقام عنده الخسروشاهي ، فوصله بأموال جمة . قال أبو شامة : تملك الناصر دمشق بعد أبيه نحوا من سنة ، ثم اقتصر له على الكرك وأعماله . ثم سُلِبَ ذلك كله كما سُلِبه الإسكندر بن فيلبس ، وصار متنقلا في البلاد ، موكلا عليه ، وتارة في البراري إلى أن مات موكلا عليه بالبويضا قبلي دمشق ، وكانت لعمه مجير الدين ابن العادل .