تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
قال : أما ما علمته من أحوال شيخنا وسيدنا موفق الدين ، فإنني إلى الآن ، ما أعتقد أن شخصاً ممن رأيته ، حصل له من الكمال في العلوم والصفات الحميدة التي يحصل بها الكمال ، سواه ، فإنه رحمه الله كان كاملاً في صورته ومعناه ، من حيث الحسن والإحسان ، والحلم والسؤدد ، والعلوم المختلفة ، ) والأخلاق الجميلة ، والأمور التي ما رأيتها كملت في غيره . وقد رأيت من كرم أخلاقه ، وحُسن عشرته ، ووفور حلمه ، وكثرة علمه ، وغزير فطنته ، وكمال مروءته ، وكثرة حَيائه ، ودوام بِشره ، وعزوف نفسه عن الدنيا وأهلها ، والمناصب وأربابها ، ما قد عَجَزَ عنه كبار الأولياء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال : ما أنعم الله على عبد نعمةً أفضل من أن يُلهمه ذِكره ، فقد ثبت بهذا أن إلهام الذكر أفضل من الكرامات ، وأفضل الذكْر ما يتعدى نفعه إلى العباد ، وهو تعليم العلم والسنّة ، وأعظم من ذلك وأحسن ما كان جِبِلّة وطبعاً ، كالحلم والكرم والعقل والحياء . وكان الله قد جَبله على خُلُق شريف ، وأفرغ عليه المكارم إفراغاً ، وأسبغ عليه النعم ، ولطف به في كل حال . قال الضياء : وكان لا يكاد يناظر أحداً ، إلا وهو يتبسّم . فسمعت بعض الناس يقول : هذا الشيخ يقتل خصمه بتبسّمه . وسمعت الفقيه أحمد بن فهْد العَلثي يقول : ناظر الموفّق لابن فَضلان يعني : يحيى بن محمد الشافعي ، فقطعه الموفق . قلت : وكان ابن فضلان يُضرب به المثل في المناظرة . وأقام الموفَّق مدة يعمل حلقة يوم الجمعة بجامع دمشق ، يناظر فيها بعد الصلاة ، ويجتمع ، إليها أصحابنا ، وغيرهم ، ثم ترك ذلك في آخر عمره . وكان يَشتغل عليه الناس من بُكرة إلى ارتفاع النهار ، ثم يُقرأ عليه بعد الظهر إما الحديث وإما من تصانيفه ، إلى المغرب . وربما قُرِئ عليه بعد المغرب ، وهو يتعشّى . وكان لا يُرى لأحد ضَجراً ،