ثم استعرضه القرآن ، فقرأه لهم في أربعة أيام ، وركب حصاناً وساقه ، فتعجبوا وعدوا ذلك آية ، وصح لابن تومرت بذلك ما أطواه على نفوسٍ سليمة لا يعرفون بواطن الأمور ، فتحقق تصديقهم إياه .
فقام خطيباً وقال : قال الله تعالى : ليميز الله الخبيث من الطيب فقال : منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون .
وهذا البشير مطلع على الأنفس محدث ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن في أمتي محدثين .
وإن عمر منهم .
وقد صحبنا أقوامٌ أطلعه الله على سرهم ونفاقهم ، ولابد من النظر فيهم ، ويتمم العدل فيهم . )
ثم نودي في جبال المصامدة : من كان مطيعاً للإمام فليقبل .
فكانوا يأتون قبائل قبائل ، فيعرضون عليه ، فيخرجون قوماً على يمينه ، ويعدهم من أهل الجنة ، وقوماً على يساره ، ويقول : هؤلاء شاكون في الأمر .
حتى كان يؤتى بالرجل فيقول : ردوا هذا على اليمين ، فإنه تائب ، وقد كان قبل كافراً ، ثم أحدث البارحة توبة ، فيعترف بما أخبر به .
واتفقت له فيهم عجائب .
وكان يطلق أهل اليسار وهم يعلمون أن مآلهم إلى القتل فلا يفر منهم أحد .
وكان إذا اجتمع منهم كثير قتلهم قراباتهم ، يقتل الأب ابنه ، والأخ أخاه ، وابن العم ابن العم .
فالذي صح عندي أنه قتل منهم سبعون ألفاً على هذه الصفة ، ويسمونها التمييز .
ولما كمل التمييز وجه جموعه مع البشير نحو أغمات ، فالتقوا المرابطين فهزموهم ، وقتل خلقٌ من المصامدة لكونهم ثبتوا ، وجرح عمر الهنتاني جراحات ، فحملوه على أعناقهم وهو كالميت ، لا ينبض له عرق .
فقال لهم البشير : إنه لا يموت حتى يفتح البلاد ، ويغزو في الأندلس .
وبعد مدة من استماتته فتح عينيه ، فزادهم ذلك إيماناً بأمرهم .
ولما أتوا عزاهم ابن تومرت وقال : يومٌ بيوم ، وكذلك حرب الرسل .
تاريخ الإسلام — صفحة 111
مساهمون: الذهبي
ص١١١