تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
ندخل الإسكندرية رحلنا بالليل ، وكان شهر رمضان ، فمشيت قدام القافلة ، وأخذت في طريق غير الجادة ، فلما أصبح الصباح ، كنت على غير الطريق بين جبال الرمل ، فرأيت شيخاً في مقثأة ، فسألته عن الطريق ، فقال : تصعد هذا الرمل ، وتنظر البحر وتقصده ، فإن الطريق على شاطيء البحر . فصعدت الرمل ، ووقعت في قصب الأقلام ، وكنت كلما وجدت قلماً مليحاً اقتلعته ، إلى أن اجتمع من ذلك حزمة عظيمة ، وحميت الشمس وأنا صائم ، وكان الصيف . فتعبت ، فأخذت أنتقي الجيد ، وأطرح سواه ، إلى أن بقي معي ثلاثة أقلام لم أر مثلها طول كل عقدة شبرين وزيادة : فقلت إن الإنسان لا يموت من حمل هذه . ووصلت إلى القافلة المغرب ، فقام إلي ذلك الرجل وأكرمني . فلما كان في بعض الليل رحلت القافلة ، فقال لي : إن في هذه الليلة مكس ، ومعي هذه الفضة ، وعليها العشر ، فإن قدرت وحملتها معك ، لعلها تسلم ، فعلت في حقي جميلاً . فقلت : أفعل . قال : فحملتها ووصلت الإسكندرية وسلمت ، ودفعتها إليه فقال : تحب أن تكون عندي ، فإن المساكنة تتعذر . فقلت : أفعل . فلما كان المغرب صليت ، ودخلت عليه ، فوجدته قد أخذ الثلاثة الأقلام ، وشق كل واحد منها ) نصفين ، وشدها شدة واحدة ، وجعلها شبه المسرجة وأقعد السراج عليها . فلحقني من ذلك من الغم شيء لم يمكني أن آكل الطعام معه ، وآعتذرت إليه ، وخرجت إلى المسجد ، فلما صليت التراويح ، أقمت في المسجد ، فجاءني القيم وقال : لم تجر العادة لأحد أن يبيت في المسجد . فخرجت وأغلق الباب ، وجلست على باب المسجد ، لا أدري إلى أين أذهب ، فبعد ساعة عبر الحارس ، فأبصرني ، فقال لي : من أنت فقلت : غريب من أهل العلم ، وحكيت له القصة . فقال : قم معي . فقمت معه ، فأجلسني في مركزه ، وثم سراج جيد ، وأخذ يطوف ويرجع إلى عندي ، واغتنمت أنا السراج ، فأخرجت الأجزاء ، وقعدت
تاريخ الإسلام — صفحة 176 | الذهبي / عمر عبد السلام التدمري