* ( يَسْتَضْعِفُ ) * استئناف يبين حال بعض الشيع ، ويجوز أن يكون حالاً من ضمير ، وجعل وأن تكون صفة لشيعاً ، ويذبح تبيين للاستضعاف ، وتفسير أو في موضع الحال من ضمير يستضعف ، أو في موضع الصفة لطائفة . وقرأ الجمهور : يذبح ، مضعفاً ؛ وأبو حيوة ، وابن محيصن : بفتح الياء وسكون الذال .
* ( إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) * : علة لتجبره ولتذبيح الأبناء ، إذ ليس في ذلك إلاّ مجرد الفساد . * ( وَنُرِيدُ ) * : حكاية حال ماضية ، والجملة معطوفة على قوله : * ( إِنَّ فِرْعَوْنَ ) * ، لأن كلتيهما تفسير للبناء ، ويضعف أن يكون حالاً من الضمير في يستضعف ، لاحتياجه إلى إضمار مبتدأ ، أي ونحن نريد ، وهو ضعيف . وإذا كانت حالاً ، فكيف يجتمع استضعاف فرعون وإرادة المنة من الله ولا يمكن الاقتران ؟ فقيل : لما كانت المنة بخلاصهم من فرعون قرينة الوقوع ، جعلت إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم . و * ( أَن نَّمُنَّ ) * : أي بخلاصهم من فرعون وإغراقه . * ( وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ) * : أي مقتدى بهم في الدين والدنيا . وقال مجاهد : دعاة إلى الخير . وقال قتادة : ولاة ، كقولهم وجعلكم ملوكاً . وقال الضحاك : أنبياء .
* ( وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) * : أي يرثون فرعون وقومه ، ملكهم وما كان لهم . وعن علي ، الوارثون هم : يوسف عليه السلام وولده ، وعن قتادة أيضاً : ورثوا أرض مصر والشام . وقرأ الجمهور : * ( وَنُمَكّنَ ) * ، عطفاً على نمن . وقرأ الأعمش : ولنمكن ، بلام كي ، أي وأردنا ذلك لنمكن ، أو ولنمكن فعلنا ذلك . والتمكين : التوطئة في الأرض ، هي أرض مصر والشام ، بحيث ينفذ أمرهم ويتسلطون على من سواهم . وقرأ الجمهور : * ( وَنُرِىَ ) * ، مضارع أرينا ، ونصب ما بعده . وعبد الله ، وحمزة ، والكسائي : ونرى ، مضارع رأى ، ورفع ما بعده . * ( وَهَامَانَ ) * : وزير فرعون وأحد رجاله ، وذكر لنباهته في قومه ومحله من الكفر . ألا ترى إلى قوله له : * ( فَرْعَوْنُ ياهَامَانُ ابْنِ لِى صَرْحاً ) * ؟ ويحذرون أي زوال ملكهم وإهلاكهم على يدي مولود من بني إسرائيل .
* ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى اليَمّ وَلاَ تَخَافِى وَلاَ تَحْزَنِى إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ ) * .
إيحاء الله إلى أم موسى : إلهام وقذف في القلب ، قاله ابن عباس وقتادة ؛ أو منام ، قاله قوم ؛ أو إرسال ملك ، قاله قطرب وقوم ، وهذا هو الظاهر لقوله : * ( إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) * . وأجمعوا على أنها لم تكن نبية ، فإن كان الوحي بإرسال ملك ، كما هو الظاهر ، فهو كإرساله للأقرع والأبرص والأعمى ، وكما روي من تكليم الملائكة للناس . والظاهر أن هذا الإيحاء هو بعد الولادة ، فيكون ثم جملة محذوفة ، أي ووضعت موسى أمه في زمن الذبح وخافت عليه . * ( وَأَوْحَيْنَا ) * ، و * ( ءانٍ ) * تفسيرية ، أو مصدرية . وقيل : كان الوحي قبل الولادة . وقرأ عمرو بن عبد الواحد ، وعمر بن عبد العزيز : أن ارضعيه ، بكسر النون بعد حذف الهمزة على غير قياس ، لأن القياس فيه نقل حركة الهمزة ، وهي الفتحة ، إلى النون ، كقراءة ورش .
* ( فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ ) * من جواسيس فرعون ونقبائه الذين يقتلون الأولاد ، * ( فَأَلْقِيهِ فِى اليَمّ ) * . قال الجنيد : إذا خفت حفظه بواسطة ، فسلميه إلينا بإلقائه في البحر ، واقطعي عنك شفقتك وتدبيرك . وزمان إرضاعه ثلاثة أشهر ، أو أربعة ، أو ثمانية ، أقوال . واليم هنا : نيل مصر . * ( وَلاَ تَخَافِى ) * : أي من غرقه وضياعه ، ومن التقاطه ، فيقتل ، * ( وَلاَ تَحْزَنِى ) * لمفارقتك إياه ، * ( إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ ) * ، وعد صادق يسكن قلبها ويبشرها بحياته وجعله رسولاً ، وقد تقدم في سورة طه طرف من حديث التابوت ورميه في اليم وكيفية التقاطه ، فأغنى عن إعادته . واستفصح الأصمعي امرأة من العرب أنشدت شعراً فقالت : أبعد قوله تعالى * ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمّ
تفسير البحر المحيط — صفحة 100
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص١٠٠