ولم يتقدّم سوى قوله : * ( وَظَنَّ * دَاوُودُ * أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ) * ، ويعلم قطعاً أن الأنبياء ، عليهم السلام ، معصومون من الخطايا ، لا يمكن وقوعهم في شيء منها ضرورة أن لو جوزنا عليهم شيئاً من ذلك ، بطلت الشرائع ، ولم نثق بشيء مما يذكرون أنه أوحى الله به إليهم ، فما حكى الله تعالى في كتابه يمر على ما أراده تعالى ، وما حكى القصاص مما فيه غض عن منصب النبوة طرحناه ، ونحن كما قال الشاعر :
* ونؤثر حكم العقل في كل شبهة
*
إذا آثر الأخبار جلاس قصاص
*
* ( مَئَابٍ يادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الاْرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ ) * .
جعله تعالى داود خليفة في الأرض يدل على مكانته ، عليه السلام ، عنده واصطفائه ، ويدفع في صدر من نسب إليه شيئاً مما لا يليق بمنصب النبوّة . واحتمل لفظ خليفة أن يكون معناه : تخلف من تقدمك من الأنبياء ، أن يعلي قدرك بجعلك ملكاً نافذ الحكم ، ومنه قيل : خلفاء الله في أرضه . واستدل من هذه الآية على احتياج الأرض إلى خليفة من الله ، ولا يلزم ذلك من الآية ، بل لزومه من جهة الشرع والإجماع . قال ابن عطية : ولا يقال خليفة الله إلا لرسول . وأما الخلفاء ، فكل واحد منهم خليفة الذي قبله ، وما يجيء في الشعر من تسمية أحدهم خليفة الله فذلك تجوز ، كما قال قيس الرقيات :
* خليفة الله في بريته
*
حقت بذاك الأقلام والكتب
*
وقالت الصحابة لأبي بكر : خليفة رسول الله ، وبذلك كان يدعى مدته . فلما ولي عمر قالوا : خليفة خليفة رسول الله ، وطال الأمر وزاد أنه في المستقبل ، فدعوه أمير المؤمنين ، وقصر هذا الاسم على الخلفاء . انتهى . * ( فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقّ ) * : أمر بالديمومة ، وتنبيه لغيره ممن ولي أمور الناس . فمن حيث هو معصوم لا يحكم إلا بالحق ، أمر أولاً بالحكم ؛ ولما كان الهوى قد يعرض لغير المعصوم ، أمر باجتنابه ، وذكر نتيجة اتباعه ، وهو إضلاله عن سبيل الله . و * ( فَيُضِلَّكَ ) * : جواب للنهي ، والفاعل في
تفسير البحر المحيط — صفحة 378
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٣٧٨