فيضلك ضمير * ( الْهَوَى ) * ، أو ضمير المصدر المفهوم من * ( وَلاَ تَتَّبِعِ ) * ، أي فيضلك اتباع الهوى . ولما ذكر ما ترتب على اتباع الهوى ، وهو الإضلال عن سبيل الله ، ذكر عقاب الضال . وقرأ الجمهور : * ( يُضِلُّونَ ) * ، بفتح الياء ، لأنهم لما أضلهم اتباع الهوى صاروا ضالين . وقرأ ابن عباس ، والحسن : بخلاف عنهما ؛ وأبو حيوة : بضم الياء ، وهذه القراءة أعم ، لأنه لا يضل الإضال في نفسه ؛ وقراءة الجمهور أوضح . و * ( بِمَا نَسُواْ ) * : متعلق بما تعلق به لهم ، ونسوا : تركوا ، و * ( يَوْمٍ ) * : يجوز أن يكون منصوب بنسوا ، أو بما تعلق به لهم ، ويكون النسيان عبارة عن ضلالهم عن سبيل الله . وانتصب * ( بَاطِلاً ) * على أنه نعت لمصدر محذوف ، أي خلق باطلاً ، أو على الحال ، أي مبطلين ، أو ذوي باطل ، أو على أنه مفعول من أجله . معنى باطلاً : عبثاً .
* ( ذالِكَ ) * : أي كون خلقها باطلاً ، * ( ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ ) * : أي مظنونهم ، وهؤلاء ، وإن كانوا مقرين بأن خالق السماوات والأرض هو الله تعالى ، فهم من حيث أنكروا المعاد والثواب والعقاب ظانون أن خلق ذلك ليس بحكمة ، وأن خلق ذلك إنما هو عبث ؛ ولذلك قال تعالى : * ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ) * . فنبه على المعاد والرجوع إلى جزائه ، ثم ذكر ما بين المؤمن ، عامل الصالحات ، والمفسد من التباين ، وأنهما ليساسيين ، وقابل الصلاح بالفساد ، والتقوى بالفجور . قال ابن عباس : هي عامة في جميع المسلمين والكافرين . وقيل في قوم من مشركي قريش قالوا : نحن لنا في الآخرة أعظم مما لنا في الدنيا ، فأنزل الله هذه الآية . وقيل في جماعة من المؤمنين والكافرين معينين بارزوا يوم بدر علياً وحمزة وعبيدة بن الحرث ، رضي الله عنهم ، وعتبة وشيبة والوليد بن عتبة ؛ ووصف كلاً ناسبه . والاستفهام بأم في الموضعين استفهام إنكار ، والمعنى : أنه لا يستوي عند الله من أصلح ومن أفسد ، ولا من اتقى ومن فجر ، وكيف تكون التسوية بين من أطاع ومن عصي ؟ إذن كان يبطل الجزاء ، والجزاء لا محالة واقع ، والتسوية منتفية .
ولما انتفت التسوية ، بين ما تصلح به لمتبعه السعادة الأبدية ، وهو كتاب الله تعالى ، فقال : * ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ ) * ، وارتفاعه على إضمار متبدأ ، أي هذا كتاب . وقرأ الجمهور : * ( مُّبَارَكٌ ) * ، على الصفة . وقرئ : مبارك ، على الحال اللازمة ، أي هذا كتاب . وقرأ الجمهور : * ( لّيَدَّبَّرُواْ ءايَاتِهِ ) * ، بياء الغيبة وشد الدال ، وأصله ليتدبروا . وقرأ عليّ بهذا الأصل . وقرأ أبو جعفر : بتاء الخطاب وتخفيف الدال ؛ وجاء كذلك عن عاصم والكسائي بخلاف عنهما ، والأصل : لتتدبروا بتاءين ، فحذفت إحداهما على الخلاف الذي فيها ، أهي تاء المضارعة أم التاء التي تليها ؟ واللام في ليدبروا لام كي ، وأسند التدبر في الجميع ، وهو التفكر في الآيات ، والتأمل الذي يفضي بصاحبه إلى النظر في عواقب الأشياء . وأسند التذكر إلى أولي العقول ، لأن ذا العقل فيه ما يهديه إلى الحق وهو عقله ، فلا يحتاج إلا إلى ما يذكره فيتذكروا ، والمخصوص بالمدح محذوف ، التقدير : * ( نِعْمَ الْعَبْدُ ) * هو ، أي سليمان . وقرئ : نعم على الأصل ، كما قال :
نعم الساعون في القوم الشطر
أثنى تعالى عليه لكثرة رجوعه إليه ، أو لكثرة تسبيحه . * ( إِذْ عُرِضَ ) * ، الناصب لإذ ، قيل : * ( أَوَّابٌ ) * ، وقيل : اذكر على الاختلاف في تأويل هذه الآية . قال الجمهور : عرضت عليه آلاف من الخيل تركها أبوه له ، وقيل : ألف واحد ، فأجريت بين يديه عشياً ، فتشاغل بحسنها وجريها ومحبتها عن ذكر له ، فقال : ردوها عليّ . فطفق يضرب أعناقها وعراقيبها بالسيف لما كانت سبب الذهول عن ذلك الذكر ، فأبد له الله أسرع منها الريح . وقال قوم ، منهم الثعلبي : كانت بالناس مجاعة ، ولحوم الخيل لهم حلال ، فعقرها لتؤكل على سبيل القربة ، ونحر الهدى عندنا . انتهى . وفي هذه القصة ألفاظ فيها
تفسير البحر المحيط — صفحة 379
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٣٧٩