تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البحر المحيط — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
، فصل لا نذر ولا هذر . انتهى . ولما كان تعالى قد كمل نفس نبيه داود بالحكمة ، أردفه ببيان كمال خلقه في النطق والعبادة فقال : * ( وَفَصْلَ الْخِطَابِ ) * . * ( وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا الْخَصْمِ ) * : لما أنثى تعالى على داود عليه السلام بما أثنى ، ذكر قصته هذه ، ليعلم أن مثل قصته لا يقدح في الثناء عليه والتعظيم لقدره ، وإن تضمنت استغفاره ربه ، وليس في الاستغفار ما يشعر بارتكاب أمر يستغفر منه ، وما زال الاستغفار شعار الأنبياء المشهود لهم بالعصمة . ومجئ مثل هذا الاستفهام إنما يكون لغرابة ما يجيء معه من القصص ، كقوله : * ( وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ) * ، فيتهيأ المخاطب بهذا الاستفهام لما يأتي بعده ويصغي لذلك . وذكر المفسرون في هذه القصة أشياء لا تناسب مناصب الأنبياء ، ضربنا عن ذكرها صفحاً ، وتكلمنا على ألفاظ الآية . والنبأ : الخبر ، فالخبر أصله مصدر ، فلذلك تصلح للمفرد والمذكر وفروعهما ، وهنا جاء للجمع ، ولذلك قال : * ( إِذْ تَسَوَّرُواْ ) * : إذ دخلوا ، كما قال الشاعر : * وخصم يعدون الدخول كأنهم * قروم غيارى كل أزهر مصعب * والظاهر أنهم كانوا جماعة ، فلذلك أتى بضمير الجمع . فإن كان المتحاكمان اثنين ، فيكون قد جاء معهم غيرهم على جهة المعاضدة أو المؤانسة ، ولا خلاف أنهم كانوا ملائكة ، كذا قال بعضهم . وقيل : كانا أخوين من بني إسرائيل لأب وأم ، والأول أشهر . وقيل : الخصم هنا اثنان ، وتجوز في العبارة فأخبر عنهما أخبار ما زاد على اثنين ، لأن معنى الجمع في التثنية . وقيل : معنى خصمان : فريقان ، فيكون تسوروا ودخلوا عائداً على الخصم الذي هو جمع الفريقين ، ويدل على أن خصمان بمعنى فريقان قراءة من قرأ : بغى بعضهم على بعض . وقال تعالى : * ( هَاذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِى رَبّهِمْ ) * ، بمعنى : فأما إن هذا أخي . وما روي أنه بعث إليه ملكان ، فالمعنى : أن التحاكم كان بين اثنين ، ولا يمتنع أن يصحبهما غيرهما . وأطلق على الجميع خصم ، وعلى الفريقين خصمان ، لأن من جاء مع متخاصم لمعاضدة فهو في سورة خصم ، ولا يبعد أن تطلق عليه التسمية ، والعامل في الظرف ، وهو إذ أتاك ، قاله الحوفي ورد بأن إتيان النبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ) لا يقع إلا في عهده ، لا في عهد داود . وقال ابن عطية ، وأبو البقاء : العامل فيه نبأ ورد بما رد به ما قبله أن النبأ الواقع في عهد داود عليه السلام لا يصح إتيانه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . وإذا أردت بالنبأ القصة في نفسها ، لم يكن ناصباً . وقيل : العامل فيه محذوف تقديره : وهل أتاك تخاصم الخصم ؟ قاله الزمخشري . ويجوز أن ينتصب بالخصم ، لما فيه من معنى الفعل . وإذ دخلوا بدل من إذ الأولى ؛ وقيل : ينتصب بتسوروا . وروي أن الله تعالى بعث إليه ملكين في صورة إنسانين ، فطلبا أن يدخلا عليه ، فوجداه في يوم عبادته ، فمنعهما ، فتسورا عليه المحراب ، فلم يشعر إلا وهما بين يديه جالسان . قال ابن عباس : جزأ زمانه أربعة أجزاء : يوماً للعبادة ، ويوماً للقضاء ، ويوماً للاشتغال بخواص أموره ، ويوماً لجميع بني إسرائيل ، فيعظهم ويبكيهم . فجاءوه في غير القضاء ، ففزع منهم لأنهم نزلوا عليه من فوق ، وفي يوم الاحتجاب ، والحرس حوله لا يتركون من يدخل عليه ، فخاف أن يؤذوه . وقيل : كان ذلك ليلاً ، ويحتمل أن يكون فزعه من أجل أن أهل ملكته قد استهانوه حتى ترك بعضهم الاستئذان ، فينكون فزعه على فساد السيرة ، لا من الداخلين . وقال أبو الأحوص : فزع منهم لأنهما دخلا عليه ، وكل منهما آخذ برأس صاحبه . وقيل : فزع منهم لما رأى من تسورهم على موضع مرتفع جداً لا يمكن أن يرتقي إليه بعد أشهر مع أعوان وكثرة عدد . وقيل : إنهما قالا : لم نتوصل إليك إلا بالتسور لمنع الحجاب ، وخفنا تفاقم الأمر بيننا ، فقبل داود عذرهم . ولما أدركوا منه الفزع قالوا : * ( لاَ تَخَفْ ) * ، أي لسنا ممن جاء إلا لأجل التحاكم . * ( خَصْمَانِ ) * : يحتمل أن يكون هذا موصولاً بقولهما : * ( لاَ تَخَفْ ) * ، بادر بإخبار ما جاءا إليه . ويحتمل أن يكون سألهم : ما أمركم ؟ فقالوا : خصمان ، أي نحن خصمان . * ( بَغَى ) * : أي