أي : لستن مثلهن إن اتقيتن الله ، وذلك لما انضاف مع تقوى الله من صحبة الرسول وعظيم المحل منه ، ونزول القرآن في بيتهن وفي حقهن . وقال الزمخشري : * ( إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ) * : إن أردتن التقوى ، وإن كن متقيات . * ( فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ ) * : فلا تجبن بقولكنّ خاضعاً ، أي ليناً خنثاً ، مثل كلام المريبات والمومسات . * ( فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ ) * : أي ريبة وفجورا . انتهى . فعلى القول الأول يكون * ( إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ) * قيداً في كونهن لسن كأحد من النساء ، ويكون جواب الشرط محذوفاً . وعلى ما قاله الزمخشري ، يكون * ( ءانٍ ) * ابتداء شرط ، وجوابه * ( اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ ) * ، وكلا القولين فيهما حمل . * ( إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ) * على تقوى الله تعالى ، وهو ظاهر الاستعمال ، وعندي أنه محمول على أن معناه : إن استقبلتن أحداً ، * ( فَلاَ تَخْضَعْنَ ) * . واتقى بمعنى : استقبل معروف في اللغة ، قال النابغة :
* سقط النصيف ولم تردا إسقاطه
*
فتناولته واتقتنها باليد
*
أي : استقبلتنا باليد ، ويكون هذا المعنى أبلغ في مدحهن ، إذ لم يعلق فضيلتهن على التقوى ، ولا علق نهيهن عن الخضوع بها ، إذ هن متقيات لله في أنفسهن ، والتعليق يقتضي ظاهره أنهن لسن متحليات بالتقوى . قال ابن عباس : لا ترخصن بالقول . وقال الحسن : لا تكلمن بالرفث . وقال الكلبي : لا تكلمن بما يهوى المريب . وقال ابن زيد : الخضوع بالقول ما يدخل في القلب الغزل . وقيل : لا تلن للرجال القول . أمر تعالى أن يكون الكلام خيراً ، لا على وجه يظهر في القلب علاقة ما يظهر عليه من اللين ، كما كان الحال عليه في نساء العرب من مكالمة الرجال برخيم الصوت ولينه ، مثل كلام المومسات ، فنهاهن عن ذلك ، وقال الشاعر :
* يتكلم لو تستطيع كلامه
*
لانت له أروى الهضاب بالصخر
*
وقال آخر :
* لو أنها عرضت لأشمط راهب
*
عبد الإله ضرورة المتعبد
*
* لرنا لرؤيتها وحسن حديثها
*
ولحالها رشداً وإن لم يرشد
*
وقرأ الجمهور : * ( فَيَطْمَعَ ) * ، بفتح الميم ونصب العين ، جواباً للنهي ؛ وأبان بن عثمان ، وابن هرمز : بالجزم ، فكسرت العين لالتقاء الساكنين ، نهين عن الخضوع بالقول ، ونهى مريض القلب عن الطمع ، كأنه قيل : لا تخضع فلا تطمع . وقراءة النصب أبلغ ، لأنها تقتضي الخضوع بسبب الطمع . وقال أبو عمر والداني : قرأ الأعرج وعيسى : فيَطمِع ، بفتح الياء وكسر الميم . ونقلها ابن خالويه عن أبي السماء ، قال : وقد روي عن ابن محيصن ، وذكر أن الأعرج ، وهو ابن هرمز ، قرأ : فيُطمِعَ ،
تفسير البحر المحيط — صفحة 222
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٢٢٢