تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
هنا جملة فعلية مصدرة : بكلما ، وحقه أن يكون فعلاً مضارعا كما في غيره من أفعال المقاربة ، ولكن ترك الأصل شذوذا كما وقع هنا جملة من فعل ماض مقدم عليه . قوله : ( رمى الرجل ) ، روي بالرفع والنصب ، قاله الكرماني قلت : وجه الرفع أن : رمي ، على صيغة المجهول أسند إليه الرجل ، ووجه النصب أن : رمي ، على صيغة المعلوم ، والضمير الذي فيه يرجع إلى الرجل القائم على شط النهر . قوله : ( فقلت : ما هذا ؟ ) قال الكرماني : فإن قلت : لِمَ ذكر في المشدوخ بلفظ : من ، وفي أخواته الثلاثة بلفظ : ما ؟ قلت : السؤال : بمن ، عن الشخص ، و : بما ، عن حاله وهما متلازمان ، فلا تفاوت في الحاصل منهما . أو لما كان هذا الرجل عبارة عن العالم بالقرآن ذكره بلفظ : من ، الذي للعقلاء ، إذ العلم من حيث هو فضيلة وإن لم يكن معه العمل بخلاف غيره ، إذ لا فضيلة لهم ، وكأنه لا عقل لهم . قوله : ( وفي أصلها شيخ وصبيان ) ، يريد الذين هم في علم الله من أهل السعادة من أولاد المسلمين ، قاله أبو عبد الملك . قوله : ( وأدخلاني ) ويروى : ( فأدخلاني ) ، بالفاء . قوله : ( طوفتماني ) بالنون ويروى : ( طوفتما بي ) ، بالباء الموحدة من التطويف ، يقال : طوف إذا أكثر الطواف وهو الدوران ، يقال : طاف حول البيت يطوف طوفا وطوفانا ، وتطوف واستطاف كله بمعنى . قوله : ( أما الذي رأيته يشق شدقه ، فكذاب ) ، قال الكرماني : قال المالكي : لا بد من جعل الموصول الذي ههنا للمعين ، كالعام ، حتى جاز دخول الفاء في خبره أي : المراد هو وأمثاله قلت : نقل الطيبي عنه مبسوطا فقال : قال المالكي : في هذا شاهد على أن الحكم قد يستحق بجزء العلة ، وذلك أن المبتدأ لا يجوز دخول الفاء على خبره إلاَّ إذا كان شبيها بمن الشرطية في العموم ، واستقبال ما يتم به المعنى نحو الذي يأتيني فمكرم ، فلو كان المقصود بالذي معنا زالت مشابهته بمن وامتنع دخول الفاء على الخبر كما يمتنع دخولها على أخبار المبتدءات المقصود بها ، التعيين ، نحو : زيد مكرم ، فمكرم لم يجز ، فكذا لا يجوز الذي يأتيني إذا قصدت به معينا ، لكن الذي يأتيني عند قصد التعيين شبيه في اللفظ بالذي يأتيني عند قصد العموم ، فجاز دخول الفاء حملاً للشبيه على الشبيه ، ونظيره قوله تعالى : * ( وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ) * ( آل عمران : 661 ) . فإن مدلول : ما ، معين ومدلول : أصابكم ، ماض إلاَّ أنه روعي فيه الشبه اللفظي ، يشبه هذه الآية بقوله : * ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ) * ( الشورى : 03 ) . فأجرى : ما ، في مصاحبة : الفاء ، مجرى واحد ، ثم قال الطيبي : أقول : هذا كلام متين ، لكن جوب الملكين تفصيل لتلك الرؤيا المتعددة المبهمة ، فلا بد من ذكر كلمة التفصيل كما في ( صحيح البخاري ) والحميدي و ( المشكاة ) أو تقديرها بالفاء جواب أما والفاء في قوله : ( فأولاد الناس ) ، جاز دخوله على الخبر لأن الجملة معطوفة على مدخول ، أما في قوله أما الرجل الذي رأيته وحذف الفاء في بعض المعطوفات نظراً إلى أن أما ما حذفت حذف مقتضاها ، وكلاهما جائزان . قوله : ( فنام عنه ) أي : أعرض عنه . و : عن ، ههنا كما في قوله تعالى : * ( الذين هم عن صلاتهم ساهون ) * ( الماعون : 5 ) . قوله : ( دار الشهداء ) قال الكرماني : فإن قلت : لِمَ اكتفى في هذه الدار بذكر الشيوخ والشباب ولم يذكر النساء والصبيان ؟ قلت : لأن الغالب أن الشهيد لا يكون إلاَّ شيخا أو شابا لا امرأةً أو صبيا . فإن قلت : مناسبة التعبير للرؤيا ظاهرة إلاَّ في الزناة ، فما هي ؟ قلت : من جهة أن العري فضيحة كالزنا ثم إن الزاني يطلب الخلوة كالتنور ولا شك أنه خائف حذر وقت الزنا ، كأنه تحت النار فإن قلت : درجة إبراهيم عليه الصلاة والسلام رفيعة فوق درجات الشهداء ، فما وجه كونه تحت الشجرة ، وهو خليل الله وأبو الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ؟ قلت : فيه إشارة إلى أنه الأصل في الملة وأن كل من بعده من الموحدين فهو تابع له وبممره يصعدون شجرة الإسلام ويدخلون الجنة . قوله : ( دعاني ) أي : اتركاني ، وهو خطاب للملكين . ذكر ما يستفاد منه : فيه : الاهتمام بأمر الرؤيا واستحباب السؤال عنها وذكرها بعد الصلاة . وفيه : التحذير عن الكذب والرواية بغير الحق . وفيه : التحذير عن ترك قراءة القرآن والعمل به . وفيه : التغليظ على الزناة . ووجه الضبط في هذه الأمور أن الحال لا يخلو من الثواب والعقاب فالعذاب إما على ما يتعلق بالقول أو بالفعل ، والأول : أما على وجود قول لا ينبغي أو على عدم قول ينبغي ، الثاني : إما على بدني وهو الزنا ونحوه ، أو مالي وهو الربا أو نحوه ، والثواب إما لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ودرجته فوق الكل مثل السحابة ، وإما للأمة وهي ثلاث درجات : الأدنى للصبيان