تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
لكونه قام بالأمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، فناسب أن تكون وفاته متأخرة عن الوقت الذي قبض فيه ، عليه الصلاة والسلام ، وقيل : إنما سأل أبو بكر ، رضي الله تعالى عنه ، عن ذلك بصيغة الاستفهام توطئة لعائشة للصبر على فقده ، لأنه لم تكن خرجت من قلبها الحرقة ، لموت النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو كان ذكر ابتداءً من أمر موته لدخل عليها غم عظيم من ذلك ، وتجديد حزن ، لأنه كان يكون حينئذ غم على غم وحزن على حزن ، ولم يقصد أبو بكر ذلك ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون السؤال عن قدر الكفن على حقيقته لأنه لم يحضر ذلك لاشتغاله بأمر البيعة . انتهى . قلت : ما أبعد هذا عن منهج الصواب ، لأنا قد ذكرنا أن السؤال والجواب إنما كانا في مرض موت أبي بكر ، رضي الله تعالى عنه ، لأجل الموافقة والاتباع ، وأين كان وقت اشتغاله بأمر البيعة من هذا الوقت الذي كان فيه مريضا مرض الموت ، ومن البعيد أن لا يحضر أبو بكر ، رضي الله تعالى عنه ، تكفين النبي صلى الله عليه وسلم مع كونه أقرب الناس إليه في كل شيء ، ومع هذا كانت البيعة في اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوم الاثنين ، والتكفين كان وقت دفنه ليلة الأربعاء . قاله ابن إسحاق . فإن قلت : قال الواقدي : كانت البيعة يوم الاثنين قلت : كانت يوم الاثنين يوم السقيفة ، وكانت البيعة العامة يوم الثلاثاء ، قاله الزهري وغيره . قوله : ( بيض ) ، بكسر الباء الموحدة جمع : أبيض . قوله : ( سحولية ) ، بفتح السين المهملة : نسبة إلى سحول ، قرية باليمن ، وقد مر الكلام فيه مستوفىً في : باب الثياب البيض للكفن ، قوله : ( وقال لها ) أي : قال أبو بكر لعائشة ، رضي الله تعالى عنها ، في أي يوم توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال بعضهم : وأما تعيين اليوم فنسيانه أيضا يحتمل ، لأنه صلى الله عليه وسلم دفن ليلة الأربعاء ، فيمكن أن يحصل التردد : هل مات يوم الاثنين أو الثلاثاء ؟ انتهى قلت : هذا أبعد من الأول ، لأنه كيف يخفى عليه ذلك وقد بويع له في ذلك اليوم بيعة السقيفة ؟ وأيضا كان ذلك اليوم يوم اختلاف الصحابة فيه في موته ، فمن قائل ، قال : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن قائل قال : لم يمت ومنهم عمر ، رضي الله تعالى عنه ، حتى خطب أبو بكر إلى جانب المنبر ، وبين لهم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، فأزال الجدال وأزاح الإشكال . وكيف يخفى عليه مثل ذلك اليوم مع قرب العهد ، وإنما كان وجه سؤاله ليعلمها أنه كان يتمنى أن تكون وفاته يوم الاثنين ، ولم يكن سؤاله عن حقيقة ذلك ، وإنما قالت عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، يوم الاثنين تطييبا لقلبه ، لما قال أبو بكر ، رضي الله تعالى عنه ، في أي يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ويوم الاثنين منصوب على الظرفية . قوله : ( قال فأي يوم هذا ؟ ) أي : قال أبو بكر ، رضي الله تعالى عنه ، أي يوم هذا ؟ وأشار به إلى اليوم الذي كان مريضا فيه ، وكان آخر أيامه ، ولم يكن موته فيه لما ذكرنا قوله : ( قلت يوم الاثنين ) ، برفع اليوم لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره : هذا اليوم يوم الاثنين . قوله : ( أرجو فيما بيني وبين الليل ) ، وفي رواية المستملي : ( وبين الليلة ) ومعناه : أرجو من الله تعالى أن يكون موتي فيما بين الوقت الذي أنا فيه وبين الليل الذي يأتي ، يعني يكون يوم الاثنين ليكون موته في يوم موت النبي صلى الله عليه وسلم ، ومع هذا توفي ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء الآخرة لثمان بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة ، كما ذكرنا آنفا . وقيل : توفي أبو بكر ، رضي الله تعالى عنه ، يوم الجمعة ، وقيل : ليلة الجمعة و : الأول أصح ، ولا خلاف أنه ، صلى الله عليه وسلم ، مات يوم الاثنين قبل أن ينشب النهار ، ومرض لاثنين وعشرين ليلة من صفر ، وبدأ وجعه عند وليدة له يقال لها ريحانة كانت من سبي اليهود وكان أول يوم مرض يوم السبت ، وتوفي يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول لتمام عشر سنين من مقدمه صلى الله عليه وسلم المدينة ، واختلفوا في سبب موت أبي بكر ، رضي الله تعالى عنه ، فقال سيف بن عمر ، إسناده عن ابن عمر ، قال : كان سبب مرض أبي بكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كمد فما زال جسمه يذوب حتى مات . وقيل : سم ، فقال ابن سعد بإسناده عن ابن شهاب : إن أبا بكر والحارث بن كلدة يأكلان خزيرة أهديت لأبي بكر ، فقال له الحارث : إرفع يدك يا خليفة رسول الله ، والله إن فيها السم سنة وأنا وأنت نموت في يوم واحد عند انتهاء السنة ، فماتا عند انقضائها ، ولم يزالا عليلين حتى ماتا . والخزيرة أن يقطع اللحم ويذر عليه الدقيق . وقال الطبري : الذي سمته امرأة من اليهود في أرز ، وقيل : إن اليهود سمته في حسو . وقيل : اغتسل في يوم بارد فحم خمسة عشر يوما وتوفي ، حكاه الواقدي عن عائشة . وقيل : علق به سل قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل به حتى قتله ، حكاه عكرمة عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما . قوله : ( ثم نظر ) ، أي : أبو بكر ، إلى ثوب عليه أي