تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
عن الإيمان فلم يعرفه ، وقال : ما أتاني في صورة قط إلا عرفته فيها غير هذه المرة ، فكيف يستنكر أن لا يعرف موسى الملك حين دخل عليه . وأما قول الجهمي : ءن الله تعالى لم يقتص للملك ، فهو دليل على جهله من الذي أخبره أن بين الملائكة والآدميين قصاصا ومن أخبره أن الملك طلب القصاص فلم يقتص له ، وما الدليل على أن ذلك كان عمدا وقد أخبرنا نبينا ، صلى الله عليه وسلم ، أن الله تعالى لم يقبض نبيا قط حتى يريه مقعده في الجنة ، ويخبره فلم ير أن يقبض روحه قبل أن يريه مقعده من الجنة ويخبره ، وقال ابن التين : وقول من قال : فقأ عينه بالحجة ، ليس بشيء لما في الحديث : فرد الله عينه ، وقال الخطابي . فإن قيل : كيف يجوز أن يفعل موسى ، عليه الصلاة والسلام ، بالملك مثل هذا الصنيع ؟ أو كيف تصل يده إليه ؟ أو كيف لا يقبض الملك روحه ولا يمضي أمر الله تعالى به ؟ قلت : أكرم الله موسى ، عليه الصلاة والسلام ، في حياته بأمور أفرده بها ، فلما دنت وفاته لطف أيضابه بأن لم يأمر الملك به بأخذ روحه قهرا ، لكن أرسله على سبيل الامتحان في صورة البشر ، فاستنكر موسى ، عليه الصلاة والسلام ، شأنه ودفعه عن نفسه ، فأتى ذلك على عينه التي ركبت في الصورة البشرية التي جاءه فيها دون الصورة الملكية ، وقد كان في طبع موسى ، عليه الصلاة والسلام ، حدة . روي أنه كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته نارا . وقال النووي : فإن قلت : كيف جاز عليه فقء عين الملك ؟ قلت : لا يمتنع أن يأذن الله له في هذه اللطمة ، ويكون ذلك امتحانا للملطوم ، والله يفعل ما يشاء . وقال ابن قتيبة في ( مختلف الحديث ) : أذهب موسى ، عليه الصلاة والسلام ، العين التي هي تخييل وتمثيل وليست على حقيقته ، وعاد ملك الموت إلى حقيقة خلقه الروحاني كما كان لم ينتقص منه شيء . قوله : ( قال : أي رب ) أي : قال موسى ، عليه الصلاة والسلام : يا رب . قوله : ( ثم ماذا ) ، وفي رواية : ( ثم مه ) ، وهي : ما ، الاستفهامية . ولما وقف عليها زاد هاء السكت ، والمعنى : ثم ما يكون بعد ذلك ؟ . قوله : ( قال : ثم الموت ) أي : قال الله تعالى : ثم يكون بعد ذلك الموت . قوله : ( قال فالآن ) أي : قال موسى ، عليه الصلاة والسلام ، فالآن يكون الموت ، ولفظ : الآن ، ظرف زمان غير متمكن ، وهو اسم لزمان الحال وهو الزمان الفاصل بين الماضي والمستقبل ، وهو يدل على أن موسى ، عليه السلام ، لما خيره الله تعالى اختار الموت شوقا إلى لقاء ربه تعالى ، كما خير نبينا ، عليه الصلاة والسلام ، فقال : ( الرفيق الأعلى ) . قوله : ( فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة ) أي : فعند ذلك سأل موسى الله أن يقربه من الأرض المقدسة ، وهي بيت المقدس . وقال ابن التين : الأرض المقدسة الشام ، ومعنى : المقدسة ، المطهرة . وكلمة : أن ، مصدرية في محل النصب على المفعولية ، أي : سأل الله تعالى الدنو من بيت المقدس ليدفن فيه دنوا لو رمى رام الحجر من ذلك الموضع الذي هو الآن موضع قبره لوصل إلى بيت المقدس ، وإنما سأل ذلك لفضل من دفن في الأرض المقدسة من الأنبياء والصالحين ، فاستحب مجاورتهم في الممات كما في الحياة ، ولأن الناس يقصدون المواضع الفاضلة ويزورون قبورها ويدعون لأهلها . وقال المهلب : إنما سأل الدنو منها ليسهل على نفسه ويسقط عنه المشقة التي تكون على من هو بعيد منها ، وصعوبته عند البعث والحشر . فإن قلت : لِمَ لم يسأل نفس البيت وسأل الدنو منه ؟ قلت : خاف أن يكون قبره مشهورا فيفتنن به الناس ، كما أخبر به الشارع أن اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . قوله : ( رمية بحجر ) ، يحتمل أن يكون على قربها دونها قدر رمية حجر أو أدنى من مكاني إلى الأرض المقدسة ، هذا القدر . فإن قلت : ما الحكمة في طلبه الدنو من الأرض المقدسة ؟ قلت : الحكمة في ذلك أن الله لما منع بني إسرائيل من دخول بيت المقدس وتركهم في التيه أربعين سنة إلى أن أفناهم الموت ولم يدخل الأرض المقدسة إلا أولادهم مع يوشع ، عليه السلام ، ومات هارون ثم موسى ، عليهما السلام ، قبل فتحها ، ثم إن موسى لما لم يتهيأ له دخولها لغلبة الجبارين عليها ، ولا يمكن نبشه بعد ذلك لينقل إليها طلب القرب منها ، لأن ما قارب الشيء أعطي حكمه . وقيل : إنما طلب الدنو لأن النبي صلى الله عليه وسلم يدفن حيث يموت ولا ينقل . قيل : فيه نظر ، لأن موسى قد نقل يوسف ، عليهما السلام إلى بلد إبراهيم الخليل ، عليه الصلاة والسلام . قلت : وفيه نظر ، لأن موسى ما نقله إلاَّ بالوحي ، فكان ذاك مخصوصا به . قوله : ( فلو كنت ثم ) ، بفتح الثاء المثلثة ، وهو اسم يشار به . ولما عرج النبي صلى الله عليه وسلم رأى موسى قائما يصلي في قبره . . وفي ( المرآة ) اختلفوا في موضع قبر موسى ، عليه الصلاة والسلام ، على أقوال . أحدها : أنه بأرض التيه ، هو وهارون ، عليهما الصلاة والسلام ، ولم يذخل الأرض المقدسة إلاَّ رمية حجر ، رواه الضحاك عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما ، وقال : لا يعرف قبره ، ورسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أبهم ذلك
عمدة القاري — صفحة 149 | العيني