بقوله : ( إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر ) ، ولو أراد بيانه لبين صريحا . وقال ابن عباس : لو علمت اليهود قبر موسى وهارون لاتخذوهما ال
1764 ; هين من دون الله تعالى ، وقال ابن إسحاق : لم يطلع على قبر موسى ، عليه الصلاة والسلام إلا الرخمة ، وهي التي أطلعت على قبر هارون لما دفن في التيه ، فنزع الله تعالى عقلها لئلا تدل عليه ، ومعنى عقلها : إلهامها .
الثاني : أنه بباب لد بالبيت المقدس ، وقال الطبري : هو الصحيح . قلت : كيف يكون هو الصحيح ، وقد قال ابن عباس ووهب وعامة العلماء : إنه بأرض التيه .
الثالث : أن قبره ما بين عالية وعويلة ، ذكره الحافظ أبو القاسم في ( تاريخ دمشق ) فقال ، وروي : أن قبر موسى بين عالية وعويلة وهما محلتان عند مسجد القدم ، ويقال : إن قبره رئي في المنام فيها . قال : والأصح أنه بتية بني إسرائيل .
الرابع : أن قبره بواد في أرض مآب بين بصرى والبلقاء .
الخامس : أن قبره بدمشق ، ذكره الحافظ أبو القاسم عن كعب الأحبار ، وذكر ابن حبان في ( صحيحه ) أن قبر موسى بمدين بين المدينة وبين المقدس واعترض عليه الضياء محمد بن عبد الواحد في كتابه ( علل الأحاديث ) بأن مدين ليست قريبة من القدس ولا من الأرض المقدسة ، وقد اشتهر أن قبره بأريحا وهي من الأرض المقدسة مرار ، ويقال : إنه قبر موسى صلى الله عليه وسلم وعنده كثيب أحمر ، كما في الحديث ، وطريق ، والدعاء عنده مستجاب .
قوله : ( إلى جانب الطور ) ذكر ياقوت في ( كتاب المشترك ) أن الطور سبعة مواضع : منها : جبل بيت المقدس يقال له طور زيتا ، وفي الأثر : مات بطور زيتا سبعون ألف نبي قتلهم الجوع وهو شرقي وادي سلوان ، ومنها : طور هارون ، علم لجبل عال مشرف من قبلي بيت المقدس فيه فيما قيل قبر هارون أخي موسى ، عليه الصلاة والسلام ، والظاهر أن الطور المذكور هو أحد الطورين المذكورين ، ولكن الأقرب أنه : طور زيتا ، والله أعلم . قوله : ( عند الكثيب الأحمر ) ، هو الرمل المجتمع .
ذكر ما يستفاد منه : فيه : دلالة ظاهرة على أن لموسى ، عليه الصلاة والسلام ، منزلة كبيرة حيث فقأ عين ملك الموت ولم يعاتبه عليه . وفيه : استحباب الدفن في المواضع الفاضلة والقرب من مدافن الصالحين . وفيه : أن للملك قدرة على التصور بصورة غير صورته . وفيه : في قوله : ( يضع يده على متن ثور ) دلالة على أن الدنيا بقي منها كثير ، وإن كان قد ذهب أكثرها . وفيه : دلالة على الزيادة في العمر مثل الحديث الآخر : ( من سره أن يبسط رزقه وينسأ في أثره فليصل رحمه ) ، وهو يؤيد قول من قال في قوله تعالى : * ( وما يعمر من معمر . . . ) * ( فاطر : 11 ) . الآية ، أنه زيادة ونقص في الحقيقة .
96
( ( بابُ الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ ) )
أي : هذا باب في بيان مشروعية دفن الميت في الليل ، وإنما لم يفسر الجواز بل أطلق الترجمة لمكان الاختلاف فيه ، فذهب الحسن البصري وسعيد بن المسيب وقتادة وأحمد في رواية إلى كراهة دفن الميت بالليل ، واحتجوا في ذلك بحديث جابر ، رضي الله تعالى عنه ، أخرجه أحمد والطحاوي ، قال : ( إن رجلاً من بني عذرة دفن ليلاً ولم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فنهى عن الدفن بالليل ، وروى الطحاوي من حديث نافع عن ابن عمر قال : ( لا تدفنوا أمواتكم بالليل ) . وقال ابن حزم : لا يجوز أن يدفن أحد ليلاً إلاَّ عن ضرورة ، وكل من دفن ليلاً منه صلى الله عليه وسلم ومن أزواجه وأصحابه ، رضي الله تعالى عنهم ، فإنما ذلك لضرورة أوجبت ذلك من خوف زحام أو خوف الحر على من حضر وحر المدينة شديد ، أو خوف تغير أو غير ذلك مما يبيح الدفن ليلاً ، لا يحل لأحد أن يظن بهم خلاف ذلك ، وذهب النخعي والزهري والثوري وعطاء وابن أبي حازم ومطرف ابن عبد الله وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في الأصح وإسحاق إلى أن دفن الميت بالليل يجوز ، واحتجوا بحديث الباب ، وبما رواه أبو داود من حديث عمرو بن دينار ، قال أخبرني : جابر بن عبد الله أو سمعت جابر بن عبد الله ، قال : ( رأى ناس نارا في المقبرة فأتوها فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر ، وإذا هو يقول : ناولوني صاحبكم ، فإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر ) . وقال الطحاوي : النهي في حديث جابر المذكور ليس لأجل كراهة الدفن بالليل ، ولكن لإرادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي على جميع المسلمين ، لما يكون لهم في ذلك من الفضل والخير ببركة صلاته عليهم ، لأنه قال في حديث يزيد بن
عمدة القاري — صفحة 150
مساهمون: العيني
ص١٥٠