تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
إلى آخره مردود أيضا ، لأن إثبات منع شيء غير مقتصر على الصيغة ، وتعليله بالاحتمال غير مفيد لدعواه ، وأما صلاته صلى الله عليه وسلم على سهيل فلا ننكرها ، غير أن حديث أبي هريرة الذي رواه أبو داود عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له ) ، وأخرجه ابن ماجة أيضا ولفظه : ( فليس له شيء ) وقال الخطيب : المحفوظ ، ( فلا شيء له ) ويروى : ( فلا شيء عليه ) ، وروي ( فلا أجر له ) ، قد نسخ حديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، بيانه أن حديث عائشة إخبار عن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال الإباحة التي لم يتقدمها نهي ، وحديث أبي هريرة إخبار عن نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قد تقدمته الإباحة ، فصار حديث أبي هريرة ناسخا ، ويؤيده إنكار الصحابة على عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، لأنهم قد كانوا علموا في ذلك خلاف ما علمت ، ولولا ذلك ما أنكروا ذلك عليها . فإن قلت : ما صورة الإنكار في ذلك ؟ قلت : في رواية مسلم : ( عن عائشة : لما توفي سعد بن أبي وقاص قالت : ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه ، فأنكر ذلك عليها . . . ) الحديث ، وفي رواية له : ( إن الناس عابوا ذلك ، وقالوا : ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد . . ) الحديث . فإن قلت : لِمَ لا يجعل الموجب للإباحة متأخرا ؟ قلت : يلزم من ذلك إثبات نسخين : نسخ الإباحة الثابتة في الابتداء بالنص الموجب للحظر ، ثم نسخ الحظر بالنص الموجب للإباحة . فإن قلت : من أي قبيل يكون هذا النسخ ؟ قلت : من قبيل النسخ بدلالة التاريخ ، وهو أن يكون أحد النصين موجبا للحظر ثم نسخ موجبا للإباحة ، ففي مثل هذا يتعين المصير إلى النص الموجب للحظر ، وإلى الأخذ به ، وذلك لأن الأصل في الأشياء الإباحة ، والحظر طارىء عليها فيكون متأخرا . فإن قلت : ليس بين الحديثين مساواة ، لأن حديث عائشة أخرجه مسلم ، وحديث أبي هريرة قد ضعفوه بصالح مولى التومة ، فلا يحتاج إلى هذا التوفيق . وقال ابن عدي : هذا من منكرات صالح ، والأئمة طعنوا فيه بسببه ، وقالوا : إنه ضعيف ، وقال ابن حبان في ( كتاب الضعفاء ) : اختلط صالح بآخر عمره ولم يتميز حديث حديثه من قديمه ، ثم ذكر له هذا الحديث ، وقال : إنه باطل ، وكيف يقول الرسول ذلك وقد صلى على سهيل ابن بيضاء في المسجد . وقال النووي : أجيب عن هذا بأجوبة . أحدها : أنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به ، وقال أحمد : هذا حديث ضعيف تفرد به صالح مولى التومة وهو ضعيف . والثاني : أن الذي في النسخ المشهورة المسموعة في ( سنن أبي داود ) : فلا شيء عليه ، فلا صحة فيه . والثالث : أن اللام فيه بمعنى : على كقوله تعالى : * ( وإن أسأتم فلها ) * ( الإسراء : 7 ) . أي : فعليها . وقال البيهقي : كان مالك يخرجه . قلت : رجال هذا ثقات يحتج بهم لا نزاع فيهم ، وأما صالح فإن العجلي قال : صالح ثقة ، وعن ابن معين أنه قال : صالح ثقة حجة ، قيل له : إن مالكا ترك السماع منه . قال : إنما أدركه مالك بعدما كبر وخرف ، ومن سمع منه قبل أن يختلط فهو ثبت . وقال ابن عدي : لا بأس به إذا سمعوا منه قديما مثل ابن أبي ذئب وابن جريج وزياد بن سعد وغيرهم . انتهى . فعن هذا علم أنه لا خلاف في عدالته وابن أبي ذئب سمع منه هذا الحديث قديما قبل اختلاطه ، فصار الحديث حجة . وقول ابن حبان : إنه باطل ، كلام باطل لأن مثل أبي داود أخرج هذا الحديث وسكت عنه ، فأقل الأمر فيه أن يكون حسنا عنده ، لأنه رضى به . وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا ، وكيف يجوز له الحكم ببطلان هذا الحديث ؟ فإن كان تشنيعه بسبب اختلاط صالح ، فقد ذكرنا أنه كان قبل الاختلاط ممن اثنى عليه بالثقة ، وأن من أخذ منه قبله لا يرد ما أخذه منه ، وأن ابن أبي ذئب أخذ عنه قبله ، وإلاَّ فلا يظهر منه إلاَّ التعصب المحض . والعجب منه أنه يقول : وكيف يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وقد صلى على سهيل ؟ فكأنه نسي باب النسخ ، ومثل هذا كثير قد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تركه ، وبهذا يرد أيضا ما قاله النووي ، فإنه أيضا ما إلى ما قال ابن حبان وقوله : إن اللام ، بمعنى : على ، عدول عن الحقيقة من غير ضرورة ، ولا سيما على أصلهم ، فإن المجاز ضروري لا يصار إليه إلاَّ عند الضرورة ، ولا ضرورة ههنا ، ويرد عليه في ذلك أيضا رواية ابن أبي شيبة : فلا صلاة له ، فإنه لا يمكن أن يقول : إن : اللام ، هنا بمعنى : على ، لفساد المعنى . وأما قول البيهقي : كان مالك يخرجه ، فإن مراده فيما أخذ عنه بعد الاختلاط . وأما حديث مسلم في ذلك فإن أصله في ( موطأ ) مالك فإنه أخرجه فيه عن أبي النضر عن عائشة قال أبو عمر : هكذا هذا الحديث عند جمهور الرواة منقطعا إلاَّ أن أبا النضر لم يسمع من عائشة شيئا ، وقال ابن وضاح : ولا أدركها ، وإنما يروي عن أبي سلمة عنها . قال : وكذلك أسنده مسلم ، وعمد عليه الدارقطني ، قال : ولا يصح إلاَّ مرسلاً عن أبي النضر عن عائشة ، لأنه قد خالف في ذلك رجلان حافظان : مالك والماجشون رواية عن أبي النضر عن عائشة ، رضي الله تعالى عنها . واستدل بهذا الحديث الشافعي وغيره في مشروعية الصلاة على الغائب ، قالوا : وهو سنة في حق من كان