القبر وهو من قبيل ذكر المحل وإرادة الحال . قوله : ( ليلاً ) نصب على الظرفية . قوله : ( فقالوا : البارحة ) أي : دفن البارحة . قال الجوهري : البارحة أقرب ليلة مضت ، تقول : ما لقيته البارحة ، ولقيته البارحة الأولى ، وهو من : برح ، أي : زال . قوله : ( أفلا آذنتموني ؟ ) أي : أفلا أعلمتموني ؟
ذكر ما يستفاد منه من الأحكم : الأول : فيه جواز الدفن بالليل ، وروى الترمذي من طريق عطاء ( عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل قبرا ليلاً فأسرج له بسراج ، فأخذ من القبلة وقال : رحمك الله إن كنت لأواها تلاء للقرآن ، وكبر عليه أربعا ) قال : حديث ابن عباس حديث حسن ، وقال : وقد رخص أكثر أهل العلم في الدفن بالليل ، وروى أبو داود من حديث جابر بن عبد الله ، قال : ( رأى ناس نارا في المقبرة ، فأتوها فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر ، وإذا هو يقول : ناولوني صاحبكم ، فإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر ) . ورواه الحاكم وصححه ، وقال النووي : وسنده على شرط الشيخين ، وروى ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) : حدثنا وكيع عن شعبة عن أبي يونس الباهلي ، قال : سمعت شيخا بمكة كان أصله روميا يحدث عن أبي ذر قال : كان رجل يطوف بالبيت يقول : أوه أوه . قال أبو ذر : فخرجت ذات ليلة فإذا النبي صلى الله عليه وسلم في المقابر يدفن ذلك الرجل ومعه مصباح . فإن قلت : روى مسلم من حديث جابر بن عبد الله ، رضي الله تعالى عنهما : يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( خطب يوما فذكر رجلاً من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل وقبر ليلا ، فزجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلي عليه إلاَّ أن يضطر إنسان في ذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه ) ، ورواه أبو داود والنسائي أيضا . قلت : يحتمل أن يكون نهى عن ذلك أولاً ثم رخصه ، وقال النووي : المنهي عنه الدفن قبل الصلاة . قلت : الدفن قبل الصلاة منهيٌّ عنه مطلقا ، سواء كان بالليل أو بالنهار ، والظاهر أنه نهى عن الدفن بالليل ، ولو كان بعد الصلاة ويؤيد ذلك ما رواه ابن ماجة في ( سننه ) من حديث أبي الزبير : عن جابر ، رضي الله تعالى عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تدفنوا موتاكم بالليل إلاَّ أن تضطروا ) ، ولكن بشكل على هذا أن الخلفاء الأربعة دفنوا ليلاً ، وفي حديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها : ودفن ، أي : النبي صلى الله عليه وسلم ، قبل أن يصبح . وفي ( المغازي ) للواقدي : عن عمرة عن عائشة قالت : ما علمنا بدفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المساحي في السحر ليلة الثلاثاء . وفي رواية أحمد ودفن ليلة الأربعاء .
الثاني من الأحكام : فيه الصلاة على الغائب ، وقد مر الكلام فيه مستوفىً .
الثالث : فيه الصلاة على الجنازة بالصفوف ، وأن لها تأثيرا ، وكان مالك بن هبيرة الصحابي ، رضي الله تعالى عنه ، يصف من يحضر الصلاة على الجنازة ثلاثة صفوف ، سواء قلوا أو كثروا ، ولكن الكلام فيما إذا تعددت الصفوف والعدد قليل ، أو كان الصف واحدا . والعدد كثيرا أيهما أفضل ؟ وعندي : الصفوف أفضل ، والله أعلم .
الرابع : فيه تدريب الصبيان على شرائع الإسلام وحضورهم مع الجماعات ليستأنسوا إليها ، وتكون لهم عادة إذا لزمتهم وإذا ندبوا إلى صلاة الجنازة ليتدربوا إليها ، وهي فرض كفاية ، ففرض العين أحرى .
الخامس : فيه الإعلام للناس بموت أحد من المسلمين لينهضوا إلى الصلاة عليه . السادس : فيه جواز الصلاة على قبر الميت ، قال أصحابنا : إذا دفن الميت ولم يصل عليه صلى على قبره ما لم يعلم أنه تفرق ، كذا في ( المبسوط ) وهذا يشير إلى أنه إذا شك في تفرقه وتفسخه يصلي عليه ، وقد نص الأصحاب على أنه لا يصلى عليه مع الشك في ذلك ، ذكره في ( المفيد ) و ( المزيد ) وبقولنا قال الشافعي وأحمد ، وهو قول عمر وأبي موسى وعائشة وابن سيرين والأوزاعي ثم هل يشترط في جواز الصلاة على قبره كونه مدفونا بعد الغسل ؟ فالصحيح : أنه يشترط . وروى ابن سماعة عن محمد أنه لا يشترط . وقال صاحب ( الهداية ) : ويصلى عليه قبل أن يتفسخ ، والمعتبر في ذلك أكبر الرأي ، أي : غالب ، فإن كان غالب الظن أنه تفسخ لا يصلي عليه ، وإن كان غالب الظن أنه لم يتفسخ يصلي عليه ، وإذا شك لا يصلي عليه . وعن أبي يوسف : يصلي عليه إلى ثلاثة أيام ، وبعدها لا يصلي عليه لأن الصحابة كانوا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم إلى ثلاثة أيام .
وللشافعية ستة أوجه : إلى ثلاثة أيام ، إلى شهر كقول أحمد ، ما لم يبل جسده . يصلي عليه من كان من أهل الصلاة عليه يوم موته . يصلي من كان من أهل فرض الصلاة عليه يوم موته . يصلي عليه أبدا . فعلى هذا تجوز الصلاة على قبور الصحابة ومن قبلهم اليوم ، واتفقوا على تضعيفه ، وممن صرح به الماوردي والمحاملي والفواراني والبغوي وإمام الحرمين والغزالي . وقال إسحق يصلي القادم من السفر إلى شهر ، والحاضر إلى ثلاثة أيام . وقال سحنون من المالكية : لا يصلى
عمدة القاري — صفحة 121
مساهمون: العيني
ص١٢١