تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
صلى الله عليه وسلم يكبر أربعا إلا سمعته ، فاختلفوا في ذلك ، فكانوا على ذلك حتى قبض أبو بكر ، رضي الله تعالى عنه ، فلما ولي عمر ، رضي الله تعالى عنه ، ورأى اختلاف الناس في ذلك شق عليه جدا ، فأرسل إلى رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنكم معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، متى تختلفون على الناس يختلفون من بعدكم ، ومتى تجتمعون على أمر يجتمع الناس عليه ، فانظروا أمرا تجتمعون عليه ، فكأنما أيقظهم ، فقالوا : نعم ما رأيت يا أمير المؤمنين فأشر علينا ، فقال عمر ، رضي الله تعالى عنه : بل أشيروا علي ، فإنما أنا بشر مثلكم ، فتراجعوا الأمر بينهم فأجمعوا أمرهم على أن يجعلوا التكبير على الجنائز مثل التكبير في الأضحى ، والفطر أربع تكبيرات ، فأجمع أمرهم على ذلك ، فهذا عمر ، رضي الله تعالى عنه ، قد رد الأمر في ذلك إلى أربع تكبيرات بمشورة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، وهم حضروا من فعل رسول الله . ما رواه حذيفة وزيد بن أرقم ، فكانوا ما فعلوا ، فمن ذلك عندهم هو أولى مما قد كانوا فذلك نسخ لما كانوا قد عملوا لأنهم مأمونون على ما قد فعلوا ، كما كانوا مأمونين على ما قد رووا . فإن قلت : كيف ثبت النسخ بالإجماع ؟ لأن الإجماع لا يكون إلاَّ بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وأوان النسخ حياة النبي صلى الله عليه وسلم للاتفاق على أن لا نسخ بعده ؟ قلت : قد جوز ذلك بعض مشايخنا بطريق أن الإجماع يوجب علم اليقين كالنص ، فيجوز أن يثبت النص به ، والإجماع في كونه حجة أقوى من الخبر المشهور ، فإذا كان النسخ يجوز بالخبر المشهور فجوازه بالإجماع أولى ، على أن ذلك الإجماع منهم إنما كان على ما استقر عليه آخر أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي قد رفع كل ما كان قبله مما يخالفه ، فصار الإجماع مظهرا لما قد كان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فافهم . حتى قال بعضهم : إن حديث النجاشي هو الناسخ لأنه مخرج في الصحيح من رواية أبي هريرة ، قالوا : وأبو هريرة متأخر الإسلام ، وموت النجاشي كان بعد إسلام أبي هريرة ، رضي الله تعالى عنه ، ومما يؤكد هذا ما رواه قاسم بن أصبغ من حديث أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة عن أبيه ، ( قال : كان النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يكبر على الجنائز أربعا وخمسا وستا وسبعا وثمانيا ، حتى مات النجاشي فخرج إلى المصلى فصف الناس من ورائه فكبر عليه أربعا ، ثم ثبت النبي صلى الله عليه وسلم على أربع حتى توفاه الله تعالى . وفيه : معجزة عظيمة للنبي ، صلى الله عليه وسلم ، حيث أعلم الصحابة بموت النجاشي في اليوم الذي مات فيه مع بعد عظيم ما بين أرض الحبشة والمدينة . وفيه : حجة للحنفية والمالكية في منع الصلاة على الميت في المسجد ، لأنه صلى الله عليه وسلم خرج بهم إلى المصلى فصف بهم ، وصلى عليه ، ولو ساغ أن يصلى عليه في المسجد لما خرج بهم إلى المصلى . وقال النووي : لا حجة فيه ، لأن الممتنع عند الحنفية إدخال الميت المسجد لا مجرد الصلاة عليه ، حتى لو كان الميت خارج المسجد جازت الصلاة عليه لمن هو داخله . وقال ابن بزيزة وغيره : استدل به بعض المالكية ، وهو باطل ، لأنه ليس فيه صيغة نهي لاحتمال أن يكون خرج بهم إلى المصلى لأمر غير المعنى المذكور ، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد ، فكيف يترك هذا الصريح لأمر محتمل ؟ بل الظاهر أنه إنما خرج بالمسلمين إلى المصلى لقصد تكثير الجمع الذين يصلون عليه ، ولإشاعة كونه مات على الإسلام ، فقد كان بعض الناس لم يدر بكونه أسلم . فقد روى ابن أبي حاتم في التفسير من طريق ثابت والدارقطني في الأفراد ، والبزار من طريق حميد ، كلاهما عن أنس ، رضي الله تعالى عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى على النجاشي ، قال بعض أصحابه : صلى على علج من الحبشة ، فنزلت : * ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم ) * ( آل عمران : 991 ) . الآية . وفي الأوسط للطبراني من حديث أبي سعيد ، رضي الله تعالى عنه : أن الذي طعن بذلك فيه كان منافقا قلت : قول النووي : لا حجة فيه غير صحيح لأن تعليله بقوله : لأن الممتنع . . إلى آخره ، يرد قوله ويبطل ما قاله لأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل مجرد الصلاة على النجاشي في المسجد ، مع كونه غائبا ، فدل على المنع وإن لم يكن الميت في المسجد ، وقوله : حتى لو كان الميت . . . إلى آخره ، على تعليل من يعلل منع الصلاة على الميت في المسجد لخوف التلوث من الميت ، وأما بالنظر إلى مطلق حديث أبي هريرة ، رضي الله تعالى عنه : ( من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له ) ، فالمنع مطلق . وقول ابن بزيزة ليس فيه صيغة النهي . . .