تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
الثالث : أن الإحصان شرط في الرجم لقوله صلى الله عليه وسلم : ( هل أحصنت ) والإحصان بن علي نوعين : إحصان الرجم وإحصان القذف . أما إحصان الرجم فهو في الشرع عبارة عن اجتماع صفات اعتبرها لوجوب الرجم وهي سبعة : العقل والبلوغ ، والحرية ، والاسلام ، والنكاح الصحيح ، والدخول في النكاح الصحيح . وأما إحصان القذف فخمسة : العقل ، والبلوع والحرية ، والإسلام ، والعفة عن الزنا . وشرط أبو حنيفة الإسلام في الإحصان لقوله صلى الله عليه وسلم : من أشرك بالله فليس بمحصن . رواه إسحاق بن راهويه في ( مسنده ) من حديث نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم : من أشرك بالله فليس بمحصن . وقال أبو يوسف والشافعي وأحمد : ليس الإسلام بشرط في الإحصان لأنه صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين . قلنا : كان ذلك بحكم التوراة قبل نزول آية الجلد في أول ما دخل صلى الله عليه وسلم المدينة فصار منسوخا بها ، ثم نسخ الجلد في حق الزاني المحصن . الرابع : أنه صلى الله عليه وسلم لم يجمع في ماعز بين الجلد والرجم ، وقال الشعبي والحسن البصري وإسحاق وداود وأحمد في رواية : يجلد المحصن ثم يرجم ، قال الترمذي : وهو مذهب جماعة من الصحابة . منهم : علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وغيرهم ، واحتجوا بحديث جابر : أن رجلاً زنى فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فجلد ، ثم أخبر أنه كان قد أحصن فأمر به فرجم ، رواه أب داود والطحاوي ، وقال إبراهيم النخعي والزهري والثوري والأوزاعي وعبد الله بن المبارك وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي وأحمد في الأصح : حد المحصن الرجم فقط لحديث ماعز . فإن قلت : روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلاً : البكر يجلد وينفى ، والثيب يجلد ويرجم ، رواه مسلم وغيره . قلت : حديث عبادة منسوخ بحديث العسيف ، أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ، وفيه : فإن اعترفت فارجمها . . . الحديث ، وهذا آخر الأمرين ، لأن أبا هريرة متأخرة الإسلام ولم يتعرض فيه للجلد ، واستدل الأصوليون أيضا بن علي تخصيص الكتاب بالسنة بأنه صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا ولم يجلده ، وآية الجلد شاملة للمحصن وغيره . الخامس : فيه : الاستفسار عن حال الذي اعترف فإنه صلى الله عليه وسلم قال لماعز : ( هل أحصنت ؟ ) وجاء في حديثه أيضا : هل جامعتها وهل باشرتها ، فيما رواه أبو داود ، وفي رواية له : فأقبل في الخامسة ، فقال : أنكحتها ؟ قال : نعم . قال حتى غاب ذلك منك في ذلك منها ؟ قال : نعم ، قال : كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر ؟ قال : نعم . قال : فهل تدري ما الزنا ؟ قال : نعم ، أتيت منها حراما مثل ما أتى الرجل من امرأته حلالاً . . . الحديث . وفي حديث ماعز يستفاد أحكام أخرى غير ما ذكرنا هنا . منها : أن الستر فيه مندوب لقول النبي صلى الله عليه وسلم لهزال لما أرسل ماعزا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال له : لو سترته بثوبك لكان خير لك ، أخرجه أبو داود والنسائي عن يزيد بن نعيم عن أبيه ، وروى مسلم من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة . ومنها : أنه صلى الله عليه وسلم أخر الحد إلى أن يتم الإقرار أربع مرات . ومنها : أن بن علي الإمام أن يرادد المقر بالزنا بقوله : لعلك قبلت أو مسست ، وفي لفظ البخاري ، بن علي ما يأتي : لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت . قال : لا . قال : أفنلتها ؟ قال : نعم . ومنها : أن المرجوم يصلى عليه ، كما روى البخاري بن علي ما سيأتي في كتاب المحاربين : عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر ، فذكر قصة ماعز ، وفي آخره ، ثم أمر به فرجم ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم خيرا ، وصلى عليه . فإن قلت : قيل للبخاري قوله : وصلى عليه ، قاله غير معمر ، قال : لا ، ورواه أبو داود عن محمد بن المتوكل والحسن بن علي كلاهما عن عبد الرزاق به ، ورواه الترمذي عن الحسن بن علي به ، وقال : حسن صحيح ، ورواه النسائي في الجنائز عن محمد بن يحيى ومحمد بن رافع ونوح بن حبيب ، ثلاثتهم عن عبد الرزاق به ، وقالوا كلهم فيه : ولم يصل عليه . قلت : أجيب بأن معنى قوله : فصلى عليه ، دعا له ، وبهذا تتفق الأخبار ، ولكن يعكر بن علي هذا ما رواه أبو قرة الزبيري عن ابن جريج عن عبد الله بن أبي بكر عن أبي أيوب عن أبي أمامة بن سهل الأنصاري : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم رجم ماعز ، فطول في الأوليين حتى كاد الناس يعجزون من طول الصلاة ، فلما انصرف ومر به فرجم فلم يصل حتى رماه عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ، بلحي بعير فأصاب رأسه فقتله ، وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم والناس فإن قلت : روى أبو داود في ( سننه ) عن أبي عوانة عن أبي بشر : حدثني ثقة من أهل البصرة عن أبي برزة الأسلمي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل بن علي ماعز بن مالك ولم ينه عن الصلاة عليه . قلت : ضعفه ابن الجوزي في ( التحقيق ) بأن فيه مجاهيل . فإن قلت :