أخرج أبو داود أيضا عن ابن عباس : أن ماعز بن مالك أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنه زنى ، فأمر به فرجم ولم يصل عليه . قال النووي في ( الخلاصة ) : إسناده صحيح . قلت : أخرجه النسائي مرسلاً ، ولئن سلمنا صحته فإن رواية الإثبات مقدمة لأنها زيادة علم .
ومنها : أنها يفعل بالمرجوم كما يفعل بسائر الموتى لما روى ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) في كتاب الجنائز حدثنا أبو معاوية عن أبي حنيفة عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه ، قال : ( لما رجم ماعز قالوا : يا رسول الله ! ما نصنع به ؟ قال : اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم من الغسل والكفن والحنوط والصلاة عليه ) .
ومنها : أنه يحفر للمرجوم ، لما رواه أحمد في ( مسنده ) من حديث أبي ذر ، رضي الله تعالى عنه ، قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتاه رجل يقال إنه زنى ، فأعرض عنه ثم ثنى ثم ثلث ثم ربع فأمرنا فحفرنا له فرجم . وقال النووي في ( شرح مسلم ) : أما الحفر للمرجوم والمرجومة ففيه مذاهب للعلماء ، قال مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنهم : لا يحفر لواحد منهما . وقال قتادة وأبو ثور وأبو يوسف وأبو حنيفة في رواية : يحفر لهما ، وقال بعض المالكية وأصحابنا : لا يحفر للرجل سواء ثبت زناه بالبينة أم بالإقرار ، وأما المرأة ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا : أحدها : يستحب الحفر إلى صدرها ليكون أستر لها . والثاني : لا يستحب ولا يكره بل هو إلى خيرة الإمام . والثالث : وهو الأصح : إن ثبت زناها بالبينة استحب ، وإن ثبت بالإقرار فلا يمكنها الهرب إن رجعت فإن قلت : في حديث أبي ذر المذكور الحفر ، وجاء في حديث أبي سعيد أخرجه مسلم : أن رجلاً من أسلم . . . الحديث . وفيه : فما وثقناه ولا حفرنا له قلت : قالوا : إن المراد في قوله : ولا حفرنا له ، يعني : حفرة عظيمة .
ومنها : درء الحد عن المعترف إذا رجع كما ورد في حديث ماعز ، أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ، قال : ( جاء ماعز الأسلمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنه قد زنى . . . ) الحديث ، وفي آخره : هلا تركتموني ؟ يعني حين ولى ماعزها هاربا من ألم الحجارة ، وأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ذلك .
ومنها : أن المرجوم والمقتول في الحدود والمحاربة وغيرهم يصلى عليهم ، وقال الزهري : لا يصلي أحد بن علي
المرجوم وقاتل نفسه ، وأبو يوسف معه في قاتل النفس ، وقال قتادة : لا يصلي بن علي
ولد الزنا .
ومنها : أن الإمام وأهل الفضل يصلون بن علي
المرجوم كما يصلي عليه غيرهم ، خلافا لبعض المالكية .
ومنها : أن التلقين للرجوع يستحب لأن حذ الزنا لا يحتاط له بالتحرير والتنقير عنه بل الاحتياط في دفعه ، وقد روى الترمذي من حديث الزهري عن عروة عن عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله ، فإن الإمام لو يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة ) . وانفرد بإخراجه الترمذي ، وأخرج ابن ماجة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعا ) . وفي سنده إبراهيم بن الفضل وهو ضعيف . وأخرج أبو داود والنسائي من حديث ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب ) . وروى الدارقطني والبيهقي من رواية مختار التمار عن أبي مطر عن علي ، رضي الله تعالى عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إدرؤا الحدود . . . ) ومختار هو ابن نافع ضعيف ، وروى ابن عدي من رواية ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عكرمة عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إدرؤا الحدود بالشبهات ، وأقيلوا الكرام عثراتهم إلاَّ في حد من حدود الله ) .
1725 حدّثنا أبُو اليَمانِ أخْبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِي قال : أخبَرَني أبُو سلَمةَ بنُ عبْدِ الرحْمانِ وسعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قال : أتَى رجُلٌ مِنْ أسْلَمَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهْوَ في المَسْجِدِ فَنادَاهُ فقال : يا رسولَ الله ! إنَّ الآخِرَ قَدْ زَنَى ، يَعْنِي نَفْسَهُ ، فأعْرَضَ عنْهُ فَتَنَحَّى لِشِقِّ وجِهِهِ الَّذِي أعْرَضَ قِبَلَهُ فقال : يا رسول الله إنَّ الآخرَ قَدْ زَنَى ، فأعْرضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لِشِقِّ وجْهِهِ الَّذِي أعْرَضَ قِبَلَهُ ، فقال لهُ ذالِكَ ، فأعْرَضَ عنهُ فَتَنَحَّى لهُ الرَّابِعَةَ ، فَلمَّا شَهِدَ علَى نَفْسِهِ أرْبَعَ شَهَادَاتٍ
عمدة القاري — صفحة 259
مساهمون: العيني
ص٢٥٩