بائنة وإن نوى يمينا فهو يمين يكفرها وإن لم ينو فرقة ولا يمينا فهي كذبة ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ، غير أنهم قالوا : إن نوى اثنتين فهي واحدة ، وإن لم ينو طلاقا فهي يمين وهو قول . وقال ابن مسعود : إن نوى طلاقا فهي تطليقه وهو أملك بها وإن لم ينو طلاقا فهي يمين يكفرها . وعن ابن عمر مثله . وقال الشافعي : ليس قوله : ( أنت حرام ) بطلاق حتى ينويه فإن أراد الطلاق فهو ما أراد من الطلاق ، وإن قال : أردت تجريما لا طلاق كان عليه كفارة يمين وليس بقول ، وقال ابن عباس : يلزمه كفارة ظهار ، وهو قول أبي قلابة وسعيد بن جبير وأحمد ، وقيل : إنها يمين فيكفر ، وروى عن الصديق وعمر وابن مسعود وعائشة وسعيد بن المسيب وعطاء والأوزاعي وأبي ثور ، وقيل : لا شيء فيه ولا كفارة كتحريم الماء ، وروي عن الشعبي ومسروق وأبي سلمة ، وقال أبو سلمة : ما أدري حرمتها أوحرمت القرآن ، وهو شذوذ .
وقال أهْلُ العِلْمِ : إذَا طَلَّقَ ثَلاَثا فَقدْ حَرُمَتْ عَليْهِ ، فَسَمَّوْهُ حَرَاما بالطَّلاَقِ والفِرَاق ، ولَيْسَ هاذَا كالَّذِي يُحَرِّمُ الطعامَ لأنهُ لا يُقالُ لِطَعامِ الحِلِّ : حرَامٌ ، ويُقالُ لِلْمُطَلَّقَةِ : حَرَامٌ . وقال في الطَّلاَقِ ثَلاَثا : لا تَحِلُّ لهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ .
لما وضع الترجمة بقوله : من قال لامرأته أنت علي حرام ولم يذكر الجواب فيها أشار بقوله : ( وقال أهل العلم ) الخ . إلى أن تحريم الحلال ليس بن علي
إطلاقه ، فإن من طلق امرأته ثلاثا تحرم عليه ، وهو معنى قوله : ( فقد حرمت عليه ) فسموه أي : فسماه العلماء حراما بالطلاق ، أي : بقول الرجل : طلقت امرأتي ثلاثا . قوله : ( والفراق ) أي وبقوله : فارقتك ، ومن حرم عليه أكل الطعام لا يحرم عليه وهو معنى قوله : ( وليس هذا ) أي : الحكم المذكور في الطلاق ثلاثا كالذي يحرم الطعام أي كحكم الذي يقول : هذا الطعام بن علي
حرام لا آكله فإنه لا يحرم ، وأشار إلى الفرق بينهما بقوله : لا يقال لطعام الحل أي الحلال حرام ، ويقال للمطلقة ثلاثا حرام . والدليل عليه قوله تعالى : * ( فإن طلقها ) * أي : الثالثة * ( فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ) * ( البقرة : 032 ) وقال المهلب : من نعم الله تعالى بن علي
هذه الأمة ، فيما خفف عنهم ، أن من قبلهم كانوا إذا حرموا بن علي
أنفسهم شيئا حرم عليهم ، كما وقع ليعقوب ، عليه الصلاة والسلام ، فخفف الله ذلك عن هذه الأمة ونهاهم عن أن يحرموا بن علي
أنفسهم شيئا مما أحل لهم ، فقال تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) * ( المائدة : 78 ) انتهى . وحاصل الكلام أن بين المسألتين فرقا ، وأن تحريم المباح يمين ، وأن فيه ردا بن علي
من لم يفرق بين قوله لامرأته : أنت علي حرام ، وبين قوله : هذا الطعام علي حرام ، حيث لا يلزمه شيء فيهما ، كما ذكرنا عن قريب من قال ذلك ، وذكرنا أقوال العلماء فيه .
4625 حدّثنا وقال اللَّيْثُ عنْ نافِعٍ : كانَ ابنُ عُمَرَ إذَا سُئِلَ عَمَّنْ طَلَّقَ ثَلاَثا ، قال : لوْ طَلَّقْتَ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ فإن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمَرَنِي بهاذَا ، فإنْ طَلَّقَها ثَلاَثا حَرُمَتْ حتَّى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَكَ .
لا مناسبة بينهما . وقال صاحب ( التوضيح ) : وكأن البخاري أراد بإيراد هذا أن فيه لفظة : حرمت عليك ، وإلاَّ فلا مناسبة بينهما في الباب ( قلت ) هذا أقرب إليه ، وصاحب ( التلويح ) أبعد .
قوله : ( عن نافع ) ويروى : حدثني نافع ( كان عبد الله بن عمر ، رضي الله تعالى عنهما ، إذا سئل عمن طلق امرأته ثلاثا ) أي ثلاث تطليقات ، قال : لو طلقت مرة أي طلقة واحدة أو مرتين أي : طلقتين قال الكرماني : وجواب لو ، يعني جزاؤه محذوف ، وهو لكان خيرا ، أو هو حرف لو للتمني فلا يحتاج إلى جواب ، وقال بعضهم : ليس كما قال ، بل الجواب لكان لك الرجعة . قلت : مقصود الكرماني أن : لو إذا كان للشرط لا بد له من جزاء . فلذلك قدره بقوله : لكان خيرا ، وهو معنى قوله : لكان لك الرجعة ، وذلك لانسداد باب الرجعة بعد الثلاث ، بخلاف ما بعد مرة أو مرتين . وهذا القرطبي أيضا قال في هذا الموضع : فكأنه قال للسائل : إن طلقت تطليقة أو تطليقتين فأنت مأمور بالمراجعة لأجل الحيض ، وإن طلقت ثلاثا لم يكن لك مراجعة ، لأنه لا تحل لك إلاَّ بعد زوج انتهى .
عمدة القاري — صفحة 240
مساهمون: العيني
ص٢٤٠