تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
مطابقته للترجمة من حيث إنه ، صلى الله عليه وسلم ، خرج إلى موضع فيه عبد الله بن أبي بن سلول ليدعوه إلى الإسلام ، وكان ذلك في أول قدومه المدينة إذ التبليغ فرض عليه ، وكان يرجو أن يسلم من وراءه بإسلامه لرياسته في قومه ، وقد كان أهل المدينة عزموا أن يتوجوه بتاج الإمارة لذلك ، وكان خروجه صلى الله عليه وسلم في نفس الأمر من أعظم الإصلاح فيهم ، قيل : إنما خرج إليهم ولم ينفذ إليهم لكثرتهم ، وليكون خروجه أعظم في نفوسهم ، وقيل : لقرب عهدهم بالإسلام . وقال الداودي : كان هذا قبل إسلام عبد الله بن أبيَّ . قلت : لكن بشكل عليه قوله : أنزلت : * ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) * ( الحجرات : 9 ) . على ما نذكره عن قريب . ورجاله أربعة : الأول : مسدد ، وقد تكرر ذكره . الثاني : معتمر على وزن اسم فاعل من الاعتمار . الثالث : أبوه سليمان ابن طرخان . الرابع : أنس بن مالك ، وهؤلاء كلهم بصريون . والحديث أخرجه مسلم في المغازي عن محمد بن عبد الأعلى عن معتمر عن أبيه به . ذكر معناه : قوله : ( لو أتيت ) ، كلمة : لو ، هنا للتمني ، فلا يحتاج إلى جواب ، ويجوز أن تكون على أصلها ، والجواب محذوف تقديره : لكان خيراً ، ونحو ذلك . قوله : ( وركب حماراً ) ، جملة حالية ، وكذلك قوله : ( يمشون ) ، جملة حالية ، قوله : ( سبخة ) ، بفتح الباء الموحدة ، واحدة السباخ ، وأرض سبخة ، بكسر الباء : ذات سباخ ، وهي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلاَّ بعض الشجر . قوله : ( إليك عني ) ، يعني : تنح عني . قوله : ( فقال رجل من الأنصار ) قال ابن التين : قيل : إنه عبد الله بن رواحة . قوله : ( لحمار ) ، اللام فيه للتأكيد ، وارتفاعه على الابتداء وخبره قوله : ( أطيب ريحاً منك ) . قوله : ( فغضب لعبد الله ) أي : لأجل عبد الله ، وهو ابن أبي بن سلول . قوله : ( فشتمه ) كذا في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : فشتما ، بالتثنية بلا ضمير ، أي : فشتم كل واحد منهما الآخر . قوله : ( بالجريد ) ، بالجيم والراء كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني بالحديد بالحاء المهملة والدال . قوله : ( فبلغنا ) ، القائل هو أنس بن مالك ، قوله : ( إنها ) أي : إن الآية أنزلت وأوضحها بقوله : * ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) * ( الحجرات : 9 ) . وقال ابن بطال : ويستحيل أن تكون الآية الكريمة نزلت في قصة ابن أبيّ ، وقتال أصحابه مع الصحابة ، لأن أصحاب عبد الله ليسوا مؤمنين ، وقد تعصبوا له بعد الإسلام في قصة الإفك ، وقد جاء هذا المعنى مبيناً في هذا الحديث في كتاب الاستئذان من رواية أسامة بن زيد ، قال : مر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم بمجلس فيه أخلاط من المشركين والمسلمين وعبدة الأوثان واليهود ، فيهم عبد الله بن أبي ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرض عليهم الإيمان قال ابن أبي : إجلس في بيتك ، فمن جاءك يريد الإسلام . . . الحديث ، فدل أن الآية لم تنزل في قصة ابن أبيّ وإنما نزلت في قوم من الأوس والخزرج اختلفوا في حد ، فاقتتلوا بالعصي والنعال ، قاله سعيد بن جبير والحسن وقتادة ، ويشبه أن تكون نزلت في بني عمرو بن عوف الذين خرج إليهم النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ليصلح بينهم . . . الحديث المذكور في الصلاة ، وفي تفسير مقاتل : مر صلى الله عليه وسلم على الأنصار وهو راكب حماره يعفور ، فبال ، فأمسك ابن أبي بأنفِهِ وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : خل للناس سبيل الريح من نتن هذا الحمار ، فشق على النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : ( فانصرف ) ، فقال ابن رواحة ألاَ أراك أمسَكت على أنفك من بول حماره ؟ والله لهو أطيب من ريح عرضك ، فكان بينهم ضرب بالأيدي والسعف ، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهم ، فأنزل الله تعالى : * ( وإن طائفتان ) * ( الحجرات : 9 ) . الآية . وفي ( تفسير ابن عباس ) : وأعان ابن أبي رجال من قومه وهم مؤمنون فاقتتلوا ، ومن زعم أن قتالهم كان بالسيوف فقد كذب . قلت : التحرير في هذا أن حديث أنس هذا مغاير لحديث سهل بن سعد الذي قبله ، لأن قصة سهل في بني عمرو بن عوف وهم من الأوس ، وكانت منازلهم بقباء ، وقصة أنس في رهط عبد الله بن أبي ، وهم من الخزرج ، وكانت منازلهم بالعالية ، فلهذا استشكل ابن بطال ، ثم قال : يشبه أن تكون الآية نزلت في بني عمرو بن عوف ، فإذا كان نزول الآية فيهم لا إشكال فيه ، وإذا قلنا : نزولها في قضية عبد الله بن أبي ، يبقى الإشكال ، ولكن يحتمل أن يزول الإشكال من وجه آخر ، وهو أن في حديث أنس ذكر أنه صلى الله عليه وسلم كان يمضي بنفسه ليبلغ ما أنزل إليه لقرب عهدهم بالإسلام ، فبهذا يزول الإشكال إن صح ذلك ، مع أن الداودي نص على أنه كان قبل إسلام عبد الله ، كما ذكرناه ، فإن صح ما ذكره الداودي فالإشكال باق ، ويحتمل إزالة الإشكال أيضاً من وجه آخر ، وهو : أن قول أنس في الحديث المذكور : بلغنا أنها أنزلت . . . لا يستلزم النزول ، في ذلك الوقت ،