تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
ما في العَتَمَةِ والصُّبْحِ لأتَوْهُما ولَوْ حَبْواً . مطابقته للترجمة في قوله : ( إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ) أي : لاقترعوا عليه ، وكل ما ذكر في هذا الباب من الحديث وغيره في مشروعية القرعة . والحديث مر في كتاب مواقيت الصلاة في : باب الاستهام في الأذان ، وقد مر الكلام فيه هناك . بِسْمِ الله الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ 35 ( ( كِتَابُ الصُّلْحِ ) ) أي : هذا كتاب في بيان أحكام الصلح ، هكذا بالبسملة ، وبقوله : كتاب الصلح ، وقع عند النسفي والأصيلي وأبي الوقت ، ووقع لغيرهم : باب ، موضع : كتاب ، ووقع لأبي ذر في الإصلاح بين الناس ، ووقع للكشميهني : الإصلاح بين الناس إذا تفاسدوا ، والصلح على أنواع في أشياء كثيرة لا يقتصر على بعض شيء . كما قاله بعضهم ، والصلح في اللغة اسم بمعنى المصالحة ، وهي المسالمة ، خلاف المخاصمة ، وأصله من الصلاح ضد الفساد ، وفي الشرع : الصلح عقد يقطع النزاع من بين المدعي والمدعى عليه ، ويقطع الخصومة ، فافهم . 1 ( ( بابُ ما جاءَ في الإصْلاَحِ بَيْنَ النَّاسِ ) ) أي : هذا باب في بيان حكم الإصلاح بين الناس ، وفي بعض النسخ : باب ما جاء في الإصلاح بين الناس . وقَوْلِ الله تعَالى * ( لاَ خَيْرَ في كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إلا منْ أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ ومنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضاةِ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرَاً عَظِيماً ) * ( النساء : 411 ) . وقول الله بالجر عطفاً على قوله في الإصلاح ، ذكر هذه الآية في بيان فضل الإصلاح بين الناس . وأن الصلح : أمر مندوب إليه ، وفيه قطع النزاع والخصومات . قوله : * ( من نجواهم ) * ( النساء : 411 ) . يعني : كلام الناس ، ويقال : النجوى السر ، وقال النحاس : كل كلام ينفرد به جماعة سراً كان أو جهراً ، فهو نجوى . قوله : * ( إلاَّ مِن أمر ) * ( النساء : 411 ) . تقديره : إلاَّ نجوى من أمر . . . إلى آخره ، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً بمعنى : لكن من أمر بصدقة أو معروف ، فإن في نجواه خيراً . وقال الداودي : معناه : لا ينبغي أن يكون أكثر نجواهم إلاَّ في هذه الخلال . قوله : * ( أو معروف ) * ( النساء : 411 ) . المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله عز وجل ، والتقرب إليه والإحسان إلى الناس ، وكل ما ندب إليه الشرع ، ونهى عنه من المحسنات والمقبحات ، وهو من الصفات الغالبة ، أي : أمر معروف بين الناس إذا رواه لا ينكرونه . قوله : * ( ابتغاء مرضاة الله ) * ( النساء : 411 ) . أي : طلباً لرضاه مخلصاً في ذلك محتسباً ثواب ذلك عند الله تعالى . وخُرُوجِ الإمَامِ إلى المَوَاضِعِ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ بأصْحَابِهِ وخروج الإمام ، بالجر عطفاً على قوله : وقول الله ، وهو من بقية الترجمة . قال المهلب : إنما يخرج الإمام ليصلح بين الناس إذا أشكل عليه أمرهم وتعذر ثبوت الحقيقة عنده فيهم ، فحينئذ يخرج إلى الطائفتين ويسمع من الفريقين ، ومن الرجل والمرأة ، ومن كافة الناس سماعاً شافياً يدل على الحقيقة ، هذا قول عامة العلماء ، وكذلك ينهض الإمام على العقارات والأرضين التي يتشاح في قسمتها ، فيعاين ذلك وقال عطاء : لا يحل للإمام إذا تبين القضاء أن يصلح بين الخصوم ، وإنما يسعه ذلك في الأمور المشكلة ، وأما إذا استبانت الحجة لأحد الخصمين على الآخر ، وتبين للحاكم موضع الظالم على المظلوم ، فلا يسعه أن يحملها على الصلح ، وبه قال أبو عبيد ، وقال الشافعي : يأمرهما بالصلح ويؤخر الحكم بينهما يوماً أو يومين . وقال الكوفيون : إن طمع القاضي أن يصطلح الخصمان فلا بأس أن يرددهما ، ولا ينفذ الحكم بينهما لعلهما يصطلحان ولا يرددهم أكثر من مرة أو مرتين ، فإن لم يطمع أنفذ الحكم بينهما ، واحتجوا بما روي عن عمر ، رضي الله تعالى عنه ، أنه قال : رددوا الخصوم حتى يصطلحوا ، فإن فصل القضاء يحدث بين الناس الضغائن .
عمدة القاري — صفحة 265 | العيني