تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
الحقوق . قلت : الأحسن أن يقال : وجه ذلك أنه كما يقطع النزاع ، والخصومة بالبينة ، فكذلك يقطع بالقرعة ، وهذا المقدار كافٍ لوجه المناسبة . وقَوْله * ( إذْ يُلْقُونَ أقْلاَمَهُمْ أيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَم ) * ( آل عمران : 44 ) . وقال ابنُ عَبَّاسٍ اقْتَرَعوا فَجَرَتِ الأقْلاَمُ مَعَ الجِرْيَةِ وعالَ قَلَمُ زَكَرِيَّاءَ الجِرْيَةَ فَكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءَ ) * ( آل عمران : 44 ) . وقوله ، بالجر عطفاً على القرعة ، وذكر هذه الآية في معرض الاحتجاج لصحة الحكم بالقرعة ، بناء على أن شرع من قبلنا هو شرع لنا ما لم يقص الله علينا بالإنكار ، ولا إنكار في مشروعيتها ، وما نسب بعضهم إلى أبي حنيفة بأنه أنكرها فغير صحيح ، وقد بسطنا الكلام فيه عن قريب في تفسير قصة أهل الإفك . وأول الآية : * ( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ) * ( آل عمران : 44 ) . قوله : ذلك إشارة إلى ما ذكر من قضية مريم . قوله ( من أبناء الغبيب ) أي أخبار الغيب ، ( نوحيه إليك ) أي : نقصه عليك * ( وما كنت لديهم ) * أي : وما كنت يا محمد عندهم * ( إذ يلقون ) * أي : حين يلقون * ( الأقلام أيهم يكفل مريم ) * ، أي : يضمها إلى نفسه ويربيها ، وذلك لرغبتهم في الأجر * ( وما كنت لديهم إذ يختصمون ) * أي : حين يختصمون في أخذها . وأصل القصة أن امرأة عمران ، وهي حنة بنت فاقود ، لا تحمل : فرأت يوماً طائراً يزق فرخه ، فاشتهت الولد فدعت الله تعالى أن يهبها ولداً ، فاستجاب الله دعاءها ، فواقعها زوجها فحملت منه ، فلما تحققت الحمل ندرت أن يكون محررا ، أي : خالصاً لخدمة بيت المقدس ، فلما وضعت قالت : * ( رب إني وضعتها أنثى ) * ( آل عمران : 63 ) . ثم خرجت بها في خرقتها إلى بني الكاهن بن هروة أخي موسى بن عمران ، وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة ، فقالت لهم : دونكم هذه النذيرة ، فإني حررتها وهي ابنتي ، ولا تدخل الكنيسة حائض ، وأنا لا أردها إلى بيتي ، فقالوا : هذه ابنة إمامنا ، وكان عمران يؤمهم في الصلاة وصاحب القربان ، فقال زكرياء : إدفعوها إلي ، فإن خالتها تحتي ، فقالوا : لا تطيب نفوسنا ، هي ابنة إمامنا فعند ذلك اقترعوا بأقلامهم عليها ، وهي الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة ، فقرعهم زكرياء ، عليه الصلاة والسلام ، وقد ذكر عكرمة والسدي وقتادة وغير واحد أنهم ذهبوا إلى نهر الأردن واقترعوا هنالك على أن يلقوا أقلامهم فيه ، فأيهم ثبت في جرية الماء فهو كافلها ، فألقوا أقلامهم فاحتملها الماء إلاَّ قلم زكرياء ، فإنه ثبت ، فأخذها فضمها إلى نفسه ، وقد ذكر المفسرون أن الأقلام هي الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة ، كما ذكرناه ، ويقال : الأقلام السهام ، وسمي السهم قلماً لأنه يقلم : أي : يبرى . قوله : * ( أيهم يكفل مريم ) * ( آل عمران : 44 ) . أي : يأخذها بكفالتها . قوله : ( اقترعوا ) ، يعني : عند التنافس في كفالة مريم . قوله : ( مع الجرية ) بكسر الجيم للنوع من الجريان وقال ابن التين صوابه اقرعوا أو قارعوا لأنه رباعي قلت قد جاء اقترعوا كما جاء أقرعوا فلا وجه لدعوى الصواب فيه . قوله : ( عال ) أي : غلب الجرية ويروى : علا ، ويروى : عدا ، حاصله : ارتفع قلم زكرياء ، ويقال : إنهم اقترعوا ثلاث مرات ، وعن ابن عباس : فلما وُضعت مريم في المسجد اقترع عليها أهل المصلى وهم يكتبون الوحي . وقَوْلِهِ * ( فَساهَمَ ) * أقْرَعَ * ( فكانَ مِنَ المدْحَضينَ ) * ( الصافات : 141 ) . من المَسْهومِينَ وقوله ، بالجر عطفاً على قوله الأول . قوله : ( أقرع ) ، تفسير لقوله : فساهم ، والضمير فيه يرجع إلى يونس ، عليه السلام . وفسر البخاري المدحضين بمعنى : المسهومين ، يعني : المغلوبين ، يقال : ساهمته فسهمته ، كما يقال : قارعته فقرعته . وقوله : * ( فساهم ) * : اقرع تفسير ابن عباس أخرجه الطبري من طريق معاوية بن صالح عن علي بن أبي طالحة عن ابن عباس وروى عن السدى قال : قوله : * ( فساهم ) * أي : قارع . قال بعضهم : هو أوضح . قلت : كونه أوضح باعتبار أنه من باب المفاعلة التي هي للاشتراك بين اثنين . وحقيقة المدحض المزلق عن مقام الظفر والغلبة . وقال القرطبي : يونس بن متى لما دعا قومه أهل نينوى من بلاد الموصل على شاطىء دجلة للدخول في دينه أبطؤوا عليه ، فدعا عليهم ووعدهم العذاب بعد ثلاث ، وخرج عنهم فرأى قومه دخاناً ومقدمات العذاب ، فآمنوا به وصدقوه وتابوا إلى الله ، عز وجل ، وردوا المظالم حتى ردوا حجارة مغصوبة ، كانوا بنوا