تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
وقالَ الشُّعْبِيُّ وقَتادَةُ إذَا أكْذَبَ نفْسَهُ جُلِدَ وقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ الشعبي عامر بن شراحيل ، وصل ما روى عنه ابن أبي حاتم من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي قال : إذا أكذب القاذف نفسه قبلت شهادته . قلت : قد صح عن الشعبي في أحد قوليه : إنه لا تقبل ، وقد ذكرناه الآن عن ابن حزم . وقال الثَّوْرِيُّ إذَا جُلِدَ العَبْدُ ثُمَّ أُعْتِقَ جازَتْ شَهَادَتُهُ وإنِ اسْتُقْضِيَ الْمَحُدُودُ فَقضاياهُ جائِزَةٌ أي : قال سفيان الثوري : رواه عنه في ( جامعه ) عبد الله بن الوليد العدني ، وروى عبد الرزاق عن الثوري عن واصل عن إبراهيم قال : لا تقبل شهادة القاذف توبته فيما بينه وبين الله ، وقال الثوري : ونحن على ذلك . وقال بعْضُ النَّاسِ لاَ تَجُوزُ شهادَةُ القَاذِفِ وإنْ تابَ أراد ببعض الناس أبا حنيفة ، فيما ذهب إليه ، ولكن هذا لا يمشي ولا يبرد به قلب المتعصب ، فإن أبا حنيفة مسبوق بهذا القول ، وليس هو بمخترع له ، وقد ذكرنا عن قريب عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما ، نحوه وعن جماعة من التابعين ، وقد ذكرناهم ، وقال بعضهم : وهذا منقول عن الحنيفة ، يعني : عدم قبول شهادة المحدود في القذف ، وقال : واحتجوا في ذلك بأحاديث قال الحفاظ : لا يصح شيء منها ، وأشهرها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً : لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا محدود في الإسلام . أخرجه أبو داود وابن ماجة ورواه الترمذي من حديث عائشة نحوه ، وقال : لا يصح ، وقال أبو زرعة : منكر ، قلت : قد مر عن قريب حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أخرجه ابن أبي شيبة أيضاً في ( مصنفه ) وقد مر الكلام فيه هناك ، ولما أخرجه أبو داود سكت عنه ، وهذا دليل الصحة عنده . ثُمَّ قالَ لا يَجُوزُ نِكاحٌ بِغَيْرِ شاهِدَيْنِ فإنْ تَزوَّجَ بِشَهَادَةِ محْدُودَيْنِ جازَ وإنْ تَزوَّجَ بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ لَمْ يَجُزْ أي : ثم قال بعض الناس المذكور ، وأراد به إثبات التناقض فيما ذهب إليه أبو حنيفة ، ولكن لا يمشي أصلاً لأن حالة التحمل لا تشترط فيها العدالة ، كما ذكر عن بعض الصحابة أنه تحمل في حال كفره ، ثم أدى بعد إسلامه ، وذلك لأن الغرض شهرة النكاح ، وذلك حاصل بالعدل ، وغيره عند التحمل ، وأما عند الأداء فلا يقبل إلاَّ العدل . قوله : ( فإن تزوج . . . ) إلى آخره أيضاً إثبات التناقض فيه ، وليس فيه تناقض ، لأن عدم جواز النكاح بغير شاهدين بالنص ، وأما التزوج بشهادة محدودين فقد ذكرنا أن المراد من ذلك شهرة النكاح ، وذلك حاصل بشهادة المحدودين ، وأما عدم جواز التزوج بشهادة عبدين فلأن الأصل فيه أن كل من ملك القبول بنفسه انعقد العقد بحضوره ، ومن لا فلا ، فإذا كان كذلك لا ينعقد بحضور عبدين أو صبيين أو مجنونين ، فمن أين التناقض يرد ؟ ومن أين الاعتراض الصادر من غير تأمل في دقائق الأشياء ؟ وأجازَ شَهَادَةَ الْمَحْدُودِ والعبْدِ والأمَةِ لِرُؤْيَةِ هِلالِ رَمَضانَ أي : أجاز بعض الناس المشار إليه . . إلى آخره ، وهذا الاعتراض أيضاً ليس بشيء أصلاً ، وذلك لأن أبا حنيفة أجرى ذلك مجرى الخبر ، والخبر يخالف الشهادة في المعنى ، لأن المخبر له دخل في حكم ما شهد به ، وقال بهذا أيضاً غير أبي حنيفة ، وقال صاحب ( التوضيح ) : هذا غلط لأن الشاهد على هلال رمضان لا يزول عنه اسم شاهد ، ولا يسمى مخبراً ، فحكمه حكم الشاهد في المعنى لاستحقاقه ذلك بالاسم ، وأيضاً : فإن الشهادة على هلال رمضان حكم من الأحكام ، ولا يجوز أن يقبل في الأحكام إلاَّ من تجوز شهادته في كل شيء ، ومن جازت شهادته في هلال رمضان ولم تجز في القذف فليس بعدل ، ولا هو ممن يرضى ، لأن الله تعالى إنما تعبدنا بمن نرضى من الشهداء . انتهى . قلت : هذا تطويل الكلام بلا فائدة ، وكلام مبني على غير معرفة بدقائق الأشياء ، وقوله : الشاهد على هلال رمضان لا يزول عنه اسم الشاهد ، ولا يسمى مخبراً ، تحكم زائد ، وعدم زوال اسم الشاهد عن الشاهد على هلال رمضان لا عقلي ولا نقلي ، فمن ادعى ذلك فعليه البيان ونفي الإخبار عن شاهد هلال رمضان غير صحيح ، على ما لا يخفى . وقوله : وحكمه حكم الشاهد في المعنى يناقض كلامه ، الأول ، لأنه قال : لا يسمى مخبراً ثم كيف
عمدة القاري — صفحة 210 | العيني