تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
وبمثله يسقط . وأما الزمان : فمدته ثلاثون شهراً عند أبي حنيفة ، وعندهما سنتان ، وبه قال مالك والشافعي وأحمد ، وعند زفر ثلاث سنين ، وقال بعضهم : لا حدَّ له للنصوص المطلقة ، ولهما قوله تعالى : * ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ) * ( البقرة : 332 ) . وقوله : * ( وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ) * ( الأحقاف : 51 ) . وأقل مدة الحمل ستة أشهر . فبقي للفصال حولان . ولأبي حنيفة قوله تعالى : * ( فإن أرادا فصالاً عن تراضٍ منهما وتشاور ) * ( البقرة : 332 ) . بعد قوله : * ( والوالدات يرضعن ) * ( البقرة : 332 ) . فثبت أن بعد الحولين رضاع ، والمعنى فيه : أنه لا يمكن قطع الولد عن اللبن دفعة واحدة ، فلا بد من زيادة مدة يعتاد فيها الصبي مع اللبن الفطام فيكون غذاؤه اللبن تارة وأخرى الطعام إلى أن ينسى اللبن ، وأقل مدة تنتقل بها العادة ستة أشهر اعتباراً بمدة الحمل . تابَعَهُ ابنُ مَهْدِيٍّ عنْ سُفْيَانَ أي : تابع محمد بن كثير عبد الرحمن بن مهدي في روايته الحديث عن سفيان الثوري ، كما رواه ابن كثير عنه ، وهذه المتابعة رواها مسلم عن زهير بن حرب عن ابن مهدي عن سفيان به . 8 ( ( بابُ شَهَادَةِ القَاذِفِ والسَّاِرِقِ والزَّاني ) ) أي : هذا باب في بيان حكم شهادة القاذف ، وهو الذي يقذف أحداً بالزنا ، وأصل القذف الرمي ، يقال : قذف يقذف ، من باب : ضرب يضرب ، قذفاً ، فهو قاذف ، ولم يصرح بالجواب لمكان الخلاف فيه . وقَوْلِ الله تعَالى : * ( ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أبَداً وأُولائِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا ) * ( النور : 4 و 5 ) . وقول الله ، مجرور عطفاً على قوله : شهادة القاذف ، وأوله قوله تعالى : * ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون إلاَّ الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ، فإن الله غفور رحيم ) * ( النور : 4 و 5 ) . ظاهر الآية لا يدل على الشيء الذي به رموا المحصنات ، وذكر الرامي لا يدل على الزنا ، إذ قد يرميها بسرقة وشرب خمر ، فلا بد من قرينة دالة على التعيين ، وقد اتفق العلماء على أن المراد الرمي بالزنا ، لقرائن دلت عليه ، وهي تقدم ذكر الزنا وذكر المحصنات التي هي العفائف ، يدل على أن المراد الرمي بضد العفاف . وقوله : * ( ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) * ( النور : 4 و 5 ) . ومعلوم أن الشهود غير مشروط ، إلاَّ في الزنا ، والإجماع على أنه لا يجب الجلد بالرمي بغير الزنا . قوله : * ( فاجلدوهم ) * ( النور : 4 و 5 ) . الخطاب للأئمة . قوله : * ( إلاَّ الذين تابوا ) * ( النور : 4 و 5 ) . هذا استثناء منقطع ، لأن التائبين غير داخلين في صدر الكلام ، وهو قوله : * ( وأولئك هم الفاسقون ) * ( النور : 4 و 5 ) . إذ التوبة تجب ما قبلها من الذنوب ، فلا يكون التائب فاسقاً ، وأما شهادته فلا تقبل أبداً عند الحنفية ، لأن رد الشهادة من تتمة الحد ، لأنه يصلح جزاء فيكون مشاركاً للأول في كونه حداً . وقوله : * ( وأولئك هم الفاسقون ) * ( النور : 4 و 5 ) . لا يصلح جزاء ، لأنه ليس بخطاب للأئمة ، بل هو إخبار عن صفة قائمة بالقاذفين ، فلا يصلح أن يكون من تمام الحد لأنه كلام مبتدأ على سبيل الاستئناف منقطع عما قبله لعدم صحة عطفه على ما سبق . لأن قوله : * ( وأولئك هم الفاسقون ) * ( النور : 4 و 5 ) . جملة إخبارية ليس بخطاب للأئمة ، وما قبله جملة إنشائية خطاب للأئمة ، وكذا قوله : * ( ولا تقبلوا ) * ( النور : 4 و 5 ) . جملة إنشائية ، خطاب للأئمة ، فيصلح أن يكون عطفاً على قوله : * ( فاجلدوا ) * ( النور : 4 و 5 ) . والشافعي رحمه الله قطع قوله : * ( ولا تقبلوا ) * ( النور : 4 و 5 ) . عن قوله : * ( فاجلدوا ) * ( النور : 4 و 5 ) . مع دليل الاتصال ، وهو كونه جملة إنشائية صالحة للجزاء ، مفوضة إلى الأئمة مثل الألى وواصل قوله ( وأولئك هم الفاسقون ) مع قيانم دليل الانفصال وهو كونه جملة اسمية غير صالحة للجزاء ثم إنه إذا تاب قبلت شهادته عند الشافعي ، وعند أبي حنيفة رد شهادته يتعلق باستيفاء الحد ، فإذا شهد قبل الحد أو قبل تمام استيفائه قبلت شهادته ، فإذا استوفى لم تقبل شهادته أبداً ، وإن تاب وكان من الأبرار الأتقياء ، وعند الشافعي رد شهادته متعلق بنفس القذف ، فإذا تاب عن القذف بأن يرجع عنه عاد مقبول الشهادة ، وكلاهما متمسك بالآية على الوجه الذي ذكرناه ، وقال الشافعي : التوبة من القذف إكذابه نفسه ، وقال الإصطخري : معناه أن يقول : كذبت فلا أعود إلى مثله . وقال أبو إسحاق : لا يقول كذبت ، لأنه ربما كان صادقاً ، فيكون قوله : كذبت كذباً ، والكذب معصية ، والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى ، بل يقول : القذف باطل ندمت على ما قلت ورجعت عنه ولا أعود إليه . قوله : * ( وأصلحوا ) * ( النور : 4 و 5 ) . قال أصحابنا : إنه بعد التوبة لا بد