تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
قدموا المدينة وعكوا . قوله : ( إلى الجحفة ) ، بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وبالفاء ، وهي ميقات أهل مصر والشام والمغرب الآن . وذكر ابن الكلبي : أن العماليق أخرجوا بني عنبر وهم أخوة عاد من يثرب فنزلوا الجحفة ، وكان اسمها : مهيعة ، فجاءهم سيل فاجتحفهم فسميت الجحفة ، ومعنى : اجتحفهم : سلب أموالهم وأخرب أبنيتهم ولم يبق شيئا ، وإنما خص الجحفة لأنها كانت يومئذ دار شرك . وقال الخطابي : وكان أهل الجحفة إذ ذاك يهودا ، وكان صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يدعو على من لم يجبهم إلى دار الإسلام إذا خاف منه معونة أهل الكفر ، ويسأل الله أن يبتليهم بما يشغلهم عنه ، وقد دعا على قومه أهل مكة حين يئس منهم . فقال : ( اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف ) ، ودعا على أهل الجحفة بالحمى ليشغلهم بها فلم تزل الجحفة من يومئذ أكثر بلاد الله حمَّى وأنه ليتقي شرب الماء من عينها الذي يقال له عين حم ، فقل من شرب منه إلاَّ حُمَّ ، ولما دعا ، عليه الصلاة والسلام ، بذلك الدعاء لم يبق أحد من أهل الجحفة إلاَّ أخذته الحمى ، ويحتمل أن يكون هذا هو السر في أن الطاعون لا يدخل المدينة ، لأن الطاعون وباء ، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بنقل الوباء عنها ، فأجاب الله دعاءه إلى آخر الأبد . فإن قلت : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القدوم على الطاعون ، فكيف قدموا المدينة وهي وبيئة ؟ قلت : كان ذلك قبل النهي ، أو أن النهي يختص بالطاعون ونحوه من الموت الذريع لا المرض ، وإن عم . قوله : ( قالت ) ، يعني عائشة ، وهو متصل بما قبله في رواية عروة عنها . قوله : ( وهي ) أي : المدينة ( أو بأرض الله ) ، وأوبأ بالهمزة في آخره على وزن أفعل التفضيل من الوباء أي أكثر وباء وأشد من غيرها . قوله ( فكان ب حان بضم الباء الموحدة وسكون الطاء المهملة وهو واد في صحراء المدينة قوله : قوله : ( يجري نجلاً ) خبر كان تعني ماءً آجنا ، وهو من تفسير الراوي ، ونجلاً ، بفتح النون وسكون الجيم ، وحكى ابن التين فيه نجلا بفتح الجيم أيضا . وقال ابن فارس : النجل ، بفتحتين سعة العين ، وقال ابن السكيت : النجل النزُّ حين يظهر وينبع عين الماء ، وقال الحربن : نجلاً أي : واسعا ، ومنه : عين نجلاء ، أي : واسعة . وقيل : هو الغدير الذي لا يزال فيه الماء ، وغرض عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، بذلك بيان السبب في كثرة الوباء بالمدينة ، لأن الماء الذي هذه صفته يحدث عنده المرض . قوله : ( تعني ماءً آجنا ) ، هذا من كلام الراوي ، أي : تعني عائشة من قولها : يجري ماء آجنا : الآجن بالمد الماء المتغير الطعم واللون ، يقال فيه : أجن وأجن ياجن وياجن أجنا وأجونا فهو آجن بالمد ، وأجن . قال عياض : هذا تفسير خطأ ممن فسره ، فليس المراد هنا الماء المتغير ، ورد عليه بأنه ليس كما قال ، فإن عائشة قالت : ( ذلك في مقام التعليل لكون المدينة كانت وبيئة ، ولا شك أن النجل إذا فسر بكون الماء الحاصل من النز فهو بصدد أن يتغير ، وإذا تغير كان استعماله مما يحدث الوباء في العادة . ذكر ما يستفاد منه فيه : فضل أبي بكر ، رضي الله تعالى عنه ، بيانه أن الله لما ابتلى نبيه ، عليه الصلاة والسلام ، بالهجرة وفراق الوطن ابتلى أصحابه بالأمراض ، فتكلم كل إنسان بما فيه ، فأما أبو بكر فتكلم بأن الموت شامل للخلق في الصباح والمساء ، وأما بلال فتمنى الرجوع إلى وطنه ، فانظر إلى فضل أبي بكر على غيره . وفيه : في دعائه صلى الله عليه وسلم بأن يحبب الله لهم المدينة حجة واضحة على من كذب ، بالقدر ، لأن الله عز وجل هو المالك للنفوس يحبب إليها ما شاء ، ويبغض ، فأجاب الله دعوة نبيه صلى الله عليه وسلم فأحبوا المدينة حبا دام في نفوسهم إلى أن ماتوا عليه . وفيه : رد على الصوفية إذ قالوا : إن الولي لا تتم له الولاية إلاَّ إذا تم له الرضى بجميع ما نزل به ، ولا يدعو الله في كشف ذلك عنه ، فإن دعا فليس في الولاية كاملاً . وفيه : حجة على بعض المعتزلة القائلين بأن لا فائدة في الدعاء مع سابق القدر ، والمذهب أن الدعاء عبادة مستقلة ولا يستجاب منه إلاَّ ما سبق به التقدير . وفيه : جواز هذا النوع من الغناء . وفيه مذاهب : فذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد وعكرمة والشعبي والنخعي وحماد والثوري وجماعة من أهل الكوفة : إلى تحريم الغناء ، وذهب آخرون إلى كراهته ، نقل ذلك عن ابن عباس ، ونص عليه الشافعي وجماعة من أصحابه ، وحكي ذلك عن مالك وأحمد ، وذهب آخرون إلى إباحته لكن بغير هذه الهيئة التي تعمل الآن ، فمن الصحابة عمر ، رضي الله تعالى عنه ، ذكره أبو عمر في ( التمهيد ) وعثمان ، ذكره الماوردي ، وعبد الرحمن بن عوف ، ذكره ابن أبي شيبة وسعد ابن أبي وقاص وابن عمر ذكرهما ابن قتيبة ، وأبو مسعود البدري وأسامة بن زيد ، وبلال وخوات بن جبير ذكرهما البيهقي