تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
هي النهار إلاَّ أن الشمس لم تطلع ، رواه النسائي ، قيل : هو مبالغة في تأخير السحور . الوجه الثالث : اختلفوا في أي صوم وجب في الإسلام أولاً ، فقيل : صوم عاشوراء ، وقيل : ثلاثة أيام من كل شهر ، لأنه صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة جعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ، رواه البيهقي ، ولما فرض رمضان خير بينه وبين الإطعام ، ثم نسخ الجميع بقوله تعالى : * ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) * ( البقرة : 581 ) . ونزلت فريضة رمضان في شعبان من السنة الثانية من الهجرة فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات ، وقيل : اختلف السلف : هل فرض على الناس صيام قبل رمضان أو لا ؟ فالجمهور وهو المشهور عند الشافعية : أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان ، وفي وجه وهو قول الحنفية : أول ما فرض صيام عاشوراء فلما نزل رمضان ، نسخ ، والله أعلم . 1 ( ( بابُ وُجُوبِ صَوْمِ رمَضَانَ ) ) أي : هذا باب في بيان وجوب صوم شهر رمضان ، وهكذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية النسفي : باب وجوب صوم رمضان وفضله . وقوْلِ الله تعَالى : * ( يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) * ( البقرة : 381 ) . هذا أيضا من الترجمة ( وقول ) مجرور لأنه عطف على قوله : وجوب الصوم ، وأشار بإيراد هذه الآية الكريمة إلى أمور تتضمن هذه الآية ، وهي : فرضية صوم رمضان بقوله تعالى : * ( كتب عليكم الصيام ) * ( البقرة : 381 ) . وأنه كان فرضا من قبلنا من الأمم ، وأن الصوم وصلة إلى التقى لأنه من البر الذي يكف الإنسان عن كثير مما تطلع له النفس من المعاصي . وفيه : تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان ، كما ثبت في ( الصحيحين ) : ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) ، ثم إنهم تكلموا في هذا التشبيه ، وهو قوله : * ( كما كتب على الذين من قبلكم ) * ( البقرة : 381 ) . فقيل : إنه تشبيه في أصل الوجوب لا في قدر الواجب ، وكان الصوم على آدم ، عليه الصلاة والسلام ، أيام البيض ، وصوم عاشوراء على قوم موسى ، عليه الصلاة والسلام ، وكان على كل أمة صوم ، والتشبيه لا يقتضي التسوية من كل وجه كما في قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر ) ، وهذا تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي ، وقيل : هذا التشبيه في الأصل والقدر والوقت جميعا ، وكان على الأولين صوم رمضان لكنهم زادوا في العدد ونقلوا من أيام الحر إلى أيام الاعتدال ، وعن الشعبي : إن النصارى فرض عليهم شهر رمضان كما فرض علينا ، فحولوه إلى الفصل ، وذلك أنهم ربما صاموه في القيظ فعدوا ثلاثين يوما ، ثم جاء بعدهم قرن منهم فأخذوا بالثقة في أنفسهم فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها ، ثم لم يزل الآخر يستن بسنة القرن الذي قبله حتى صارت إلى خمسين ، وقال الطبري : وقال آخرون : بل التشبيه إنما هو من أجل أن صومهم كان من العشاء الآخرة إلى العشاء الآخرة ، وكان ذلك فرض على المؤمنين في أول ما افترض عليهم الصوم ، وقال السدي : النصارى كتب عليهم رمضان وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم ولا ينكحوا النساء شهر رمضان ، فاشتد ذلك على النصارى وجعل يتقلب عليهم في الشتاء والصيف ، فلما رأوا ذلك اجتمعوا فجعلوا صياما في الفصل بين الشتاء والصيف ، وقالوا : نزيد عشرين يوما نكفر بها ما صنعنا ، فجعلوا صيامهم خمسين يوما ، فلم يزل المسلمون على ذلك يصنعون كما تصنع النصارى حتى كان من أمر أبي قيس بن صرمة وعمر ، رضي الله تعالى عنهما ، ما كان ، فأحل الله لهم الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر . وفي تفسير ابن أبي حاتم : عن الحسن ، قال : والله لقد كتب الصيام على كل أمة خلت كما كتبه علينا شهرا كاملاً وفي تفسير القرطبي : عن قتادة : كتب الله تعالى على قوم موسى وعيسى ، عليهما الصلاة والسلام ، صيام رمضان ، فغيروا وزاد أحبارهم عشرة أيام أخرى . ثم مرض بعض أحبارهم فنذر إن شفي أن يزيد في صومهم عشرة أيام أخرى ففعل ، فصار صوم النصارى خمسين يوما ، فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الربيع ، قال : واختار هذا القول النحاس ،
عمدة القاري — صفحة 254 | العيني