وعليه بيان شيء منه عند قوله تعالى : * ( وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) * ، بأن مكرهم محاولتهم قتل عيسى ، ومكر الله إلقاء الشبه ، أي شبه عيسى على غير عيسى .
وتقدم قوله تعالى : * ( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ) * ، وهذا في قصة النمرود ، فكان مكرهم بنيان الصرح ليصعد إلى السماء ، فكان مكر الله بهم أن تركهم حتى تصاعدوا بالبناء ، فأتى الله بنيانهم من القواعد ، فهدمه عليهم .
وهكذا الكيد هنا ، إنهم يكيدون للإسلام والمسلمين يريدون ليطفؤوا نور الله بأفواههم ، واللَّه يكيد لهم بالاستدراج حتى يأتي موعد إهلاكهم ، وقد وقع تحقيقه في بدر ، إذ خرجوا محادة لله ولرسوله ، وفي خيلائهم ومفاخرتهم وكيد الله لهم أن قلل المؤمنين في أعينهم ، حتى طمعوا في القتال ، وأمطر أرض المعركة ، وهم في أرض سبخة ، والمسلمون في أرض رملية فكان زلقاً عليهم وثباتاً للمؤمنين ، ثم أنزل ملائكته لقتالهم . واللَّه تعالى أعلم . * ( فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ) * . قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب ، ما نصه : هذا الإمهال المذكور هنا ينافيه قوله تعالى : * ( فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) * .
والجواب : أن الإمهال منسوخ بآيات السيف ا ه .
وهذا ما يفيده كلام الطبري ، وإن لم يصرح به وهو منصوص القرطبي . ولعل في نفس الآية ما يدل على ذلك وهو قوله : * ( أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ) * ، لأن رويداً بمعنى قليلاً ، فقد قيد الإمهال بالقلة مما يشعر بمجيء النسخ وأنه ليس نهائياً . والله تعالى أعلم .
أضواء البيان — صفحة 497
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٤٩٧