خلال كدحه ، فإن العاقل المتبصر لا يجعل كدحه إلاّ فيما يرضي الله ويرضى هو به ، وإذا لقي ربه ما دام أنه كادح ، لا محالة كما هو مشاهد .
تنبيه آخر
* ( ياأَيُّهَا الإِنسَانُ ) * عام في الشمول لكل إنسان مهما كان حاله من مؤمن وكافر ، ومن بر وفاجر ، والكل يكدح ويعمل جاهد التحصيل ما هو مقبل عليه ، كما في الحديث : ( اعملوا كل ميسر لما خلق له ) أي ومجد فيه وراض به ، وهذا منتهى حكمة العليم الخبير .
ومما هو جدير بالتنبيه عليه ، هو أنه إذا كانت السماء مع عظم جرمها ، والأرض مع مساحة أصلها أذنت لربها وحقت ، مع أنها لم تتحمل أمانة ، ولن تسأل عن واجب فكيف بالإنسان على ضعفه ، * ( أَءَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَآءُ ) * ، وقد تحمل أمانة التكليف فأشفقن منها وحملها الإنسان ، فكان أحق بالسمع والطاعة في كدحه ، إلى أن يلقى ربه لما يرضيه . * ( فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً * وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَى سَعِيراً * إِنَّهُ كَانَ فِى أَهْلِهِ مَسْرُوراً * إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ ) * . في هذا التفصيل بيان لمصير الإنسان نتيجة كدحه ، وما سجل عليه في كتاب أعماله ، وذلك بعد أن تقدم في الانفطار قوله : * ( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ * إِنَّ الاٌّ بْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ ) * .
وجاء في المطففين * ( كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍ ) * ثم بعده * ( كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الاٌّ بْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ ) * .
جاء هنا بيان إتيانهم هذه الكتب مما يشير إلى ارتباط هذه السور بعضها ببعض ، في بيان مآل العالم كله ومصير الإنسان نتيجة عمله .
وتقدم للشيخ مباحث إتيان الكتب باليمين وبالشمال ومن وراء الظهر ، عند كل من
أضواء البيان — صفحة 469
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٤٦٩