لا قدرة لنا بذلك فيقال : كيف تنكرون البعث وأنتم تعلمون أن من أنشأ شجرة النار وأخرجها منها قادر على كل شيء ؟ وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون خلق النار من أدلة البعث ، وجاء موضحاً في يس في قوله تعالى * ( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِى أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الاٌّ خْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ ) * فقوله في آخر يس * ( تُوقِدُونَ ) * هو معنى قوله في الواقعة : * ( تُورُونَ ) * وقوله في آية يس * ( الَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الاٌّ خْضَرِ نَاراً ) * بعد قوله * ( يُحْيِيهَا الَّذِى أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) * دليل واضح على أن خلق النار من أدلة البعث . وقوله هنا * ( أَءَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ ) * أي الشجرة التي توقد منها كالمرخ والعفار ، ومن أمثال العرب في كل شجر نار ، واستنجد المرخ والعفار ، لأن المرخ والعفار هما أكثر الشجر نصيباً في استخراج النار منهما ، يأخذون قضيباً من المرخ ويحكمون به عوداً من العفار فتخرج من بينهما النار . ويقال كل شجر فيه نار إلا العناب .
وقوله : * ( نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً ) * أي نذكر الناس بها في دار الدنيا إذا أحسوا شدة حرارتها . نار الآخرة التي هي أشد منها حراً لينزجروا عن الأعمال المقتضية لدخول النار ، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم : أن حرارة نار الآخرة مضاعفة على حرارة نار الدنيا سبعين مرة . فهي تفوقها بتسع وستين ضعفاً كل واحد منها مثل حرارة نار الدنيا .
وقوله تعالى * ( وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ ) * أي منفعة للنازلين بالقواء من الأرض ، وهو الخلاء والفلاة التي ليس بها أحد ، وهم المسافرون ، لأنهم ينتفعون بالنار انتفاعاً عظيماً في الاستدفاء بها والاستضاءة وإصلاح الزاد .
وقد تقرر في الأصول أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة كون اللفظ وارداً للامتنان . وبه تعلم أنه لا يعتبر مفهوماً للمقوين ، لأنه جيء به للامتنان أي وهي متاع أيضاً لغير المقوين من الحاضرين بالعمران ، وكل شيء خلا من الناس يقال له أقوى ، فالرجال إذا كان في الخلا قيل له : أقوى . والدار إذا خلت من أهلها قيل لها أقوت .
ومنه قول نابغة ذبيان : ومنه قول نابغة ذبيان :
* يا دار مية بالعلياء فالسند
* أقوت وطال عليها سالف الأبد
*
وقول عنترة :
أضواء البيان — صفحة 536
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٥٣٦