وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كونه تعالى . لو شاء لجعل الماء غير صالح للشراب ، جاء معناه في آيات أخر كقوله تعالى * ( قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ ) * وقوله تعالى * ( وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِى الاٌّ رْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ) * لأن الذهاب بالماء وجعله غوراً لم يصل إليه وجعله أجاجاً ، كل ذلك في المعنى سواء بجامع عدم تأتي شرب الماء ، وهذه الآيات المذكورة تدل على شدة حاجة الخلق إلى خالقهم كما ترى . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة * ( أَءَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ ) * يدل على أن جميع الماء الساكن في الأرض النابع من العيون والآبار ونحو ذلك ، أن أصله كله نازل من المزن ، وأن الله أسكنه في الأرض وخزنه فيها لخلقه .
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى * ( وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِى الاٌّ رْضِ ) * وقوله تعالى * ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى الاٌّ رْضِ ) * وقد قدمنا هذا في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى * ( فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ) * وفي سورة سبأ في الكلام على قوله تعالى * ( يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِى الاٌّ رْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ) * وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة * ( فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ ) * فلولا بمعنى هلا ، وهي حرف تحضيض ، وهو الطلب بحث وحض والمعنى أنهم يطلب منهم شكر هذا المنعم العظيم بحث وحض .
واعلم أن الشكر يطلق من العبد لربه ومن الرب لعبده .
فشكر العبد لربه ، ينحصر معناه في استعماله جميع نعمه فيما يرضيه تعالى ، فشكر نعمة العين ألا ينظر بها إلا ما يرضي من خلقها ، وهكذا في جميع الجوارح ، وشكر نعمة المال أن يقيم فيه أوامر ربه ويكون مع ذلك شاكر القلب واللسان ، وشكر العبد لربه جاء في آيات كثيرة كقوله تعالى هنا : * ( فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ ) * وقوله تعالى * ( وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ) * والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة .
وأما شكر الرب لعبده فهو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل ، ومنه قوله تعالى * ( وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ) * وقوله تعالى * ( إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ
أضواء البيان — صفحة 534
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٥٣٤