ُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ ) * وأصل العهن أخص من مطلق الصوف لأنه الصوف المصبوغ خاصة . ومنه قول زهير بن أبي سلمى في معلقته : وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ ) * وأصل العهن أخص من مطلق الصوف لأنه الصوف المصبوغ خاصة . ومنه قول زهير بن أبي سلمى في معلقته :
* كأن فتاة العهن في كل منزل
* نزلن به حب الفنا لم يحطم
*
وقال بعضهم : الجبال منها جدد بيض وحمر ومختلف ألوانها وغرابيب سود ، فإذا بست وفتتت يوم القيامة وطيرت في الجو أشبهت العهن إذا طيرته الريح في الهوى ، وهذا الوجه يدل عليه ترتيب كينونتها هباء منبثاً بالفاء على قوله : * ( وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً ) * لأن الهباء هو ما ينزل من الكوة من شعاع الشمس إذا قابلتها : * ( مُّنبَثّاً ) * أي متفرقاً ، ووصفها بالهباء المنبث أنسب لتكون البس بمعنى التفتيت والطحن .
الوجه الثاني : أن معنى قوله : * ( وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً ) * أي سيرت بين السماء والأرض ، وعلى هذا فالمراد ببسها سوقها وتسييرها من قول العرب : بسست الإبل أبسها ، بضم الباء وأبستها أبسها بضم الهمزة وكسر الباء ، لغتان بمعنى سقتها ، ومنه حديث : ( يخرج أقوام من المدينة إلى اليمن والشام ، والعراق يبسون والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ) .
وهذا الوجه تشهد له آيات من كتاب الله كقوله تعالى : * ( وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ ) * ، وقوله * ( وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً ) * .
وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة النمل في الكلام على قوله : * ( وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ) * .
الوجه الثالث : أن معنى قوله : * ( وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً ) * نزعت من أماكنها وقلعت ، وقد أوضحنا أن هذا الوجه راجع للوجه الأول مع الإيضاح التام لأحوال الجبال يوم القيامة ، وأطوارها ، بالآيات القرآنية ، وفي سورة طه في الكلام على قوله تعالى : * ( وَيَسْألُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفاً ) * ، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة * ( فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً ) * كقوله تعالى : * ( وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً ) * ، والهباء إذا انبث ، أي تفرق ، واضمحل وصار لا شيء ، والسراب قد قال الله تعالى فيه : * ( حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ) * . قوله تعالى : * ( وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً ) * .
أضواء البيان — صفحة 512
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٥١٢