هذا الكتاب المبارك ، ومن ذلك هذه الآية الكريمة .
وإيضاح ذلك أن هذه الآية الكريمة فيها وجهان معروفان عند العلماء ، كلاهما يشهد له قرآن :
أحدهما : أن المراد بقوله : * ( مَقَامَ رَبِّهِ ) * : أي قيامه بين يدي ربه ، فالمقام اسم مصدر بمعنى القيام ، وفاعله على هذا الوجه هو العبد الخائف ، وإنما أضيف إلى الرب لوقوعه بين يديه ، وهذا الوجه يشهد له قوله تعالى : * ( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى ) * ، فإن قوله : * ( وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ) * : قرينة دالة على أنه خاف عاقبة الذنب حين يقوم بين يدي ربه ، فنهى نفسه عن هواها .
والوجه الثاني : أن فاعل المصدر الميمي الذي هو المقام ، هو الله تعالى : أي خاف هذا العبد قيام العبد قيام الله عليه ومراقبته لأعماله وإحصائها عليه ، ويدل لهذا الوجه الآيات الدالة على قيام الله على جميع خلقه وإحصائه عليهم أعمالهم كقوله تعالى : * ( اللَّهُ لاَ إِلَاهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ ) * ، وقوله تعالى : * ( أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) * ، وقوله تعالى : * ( وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ) * . إلى غير ذلك من الآيات .
وقد قدمنا في سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى في شأن الجن : * ( ياقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِىَ اللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ ) * ، أن قوله : * ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ) * ، وتصريحه بالامتنان بذلك على الإنس والجن في قوله * ( فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) * ، نص قرآني على أن المؤمنين الخائفين مقام ربهم من الجن يدخلون الجنة . قوله تعالى : * ( مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ) * . قد بينا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى : * ( وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ) * جميع الآيات القرآنية الدالة على تنعم أهل الجنة بالسندس والإستبرق ، والحلية بالذهب والفضة ، وبينا أن جميع ذلك يحرم على ذكور هذه الأمة في دار الدنيا . قوله تعالى : * ( فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ ) * .
أضواء البيان — صفحة 506
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٥٠٦