وهذا يدل على أنهم إنما اتفقوا لأن قلوب بعضهم تشبه قلوب بعض في الكفر والطغيان ، فتشابهت مقالاتهم للرسل لأجل تشابه قلوبهم .
وقد أوضح تعالى هذا المعنى في سورة البقرة : * ( كَذَالِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ) * . قوله تعالى : * ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ ) * . نفيه جل وعلا في هذه الآية الكريمة للوم عن نبيه صلى الله عليه وسلم ، يدل على أنه أدى الأمانة ونصح للأمة .
وقد أوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله تعالى * ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً ) * . وقوله تعالى : * ( فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ) * ، والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة معلومة . قوله تعالى : * ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) * . قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك ، أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يجعل الله شيئاً لحكم متعددة ، فيذكر بعض حكمه في بعض المواضع ، فإنا نذكر بقية حكمه ، والآيات الدالة عليها ، وقد قدمنا أمثلة ذلك .
ومن ذلك القبيل هذه الآية الكريمة ، فإنها تضمنت واحدة من حكم التذكير وهي رجاء انتفاع المذكر به ، لأن تعالى قال هنا : * ( وَذَكِّرْ ) * ، ورتب عليه قوله : * ( فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) * .
ومن حكم ذلك أيضاً خروج المذكر من عهدة التكليف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقد جمع الله هاتين الحكمتين في قوله * ( قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) * .
ومن حكم ذلك أيضاً النيابة عن الرسل في إقامة حجة الله على خلقه في أرضه لأن الله تعالى يقول * ( رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) * .
أضواء البيان — صفحة 443
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٤٤٣