وذلك كقوله هنا * ( وَأَنتُمُ الاٌّ عْلَوْنَ ) * وقوله : * ( وَاللَّهُ مَعَكُمْ ) * أي بالنصر والإعانة والثواب .
واعلم أن آية القتال هذه لا تعارض بينها وبين آية الأنفال حتى يقال إن إحداهما ناسخة للأخرى ، بل هما محكمتان وكل واحدة منهما منزلة على حال غير الحال التي نزلت عليه الأخرى .
فالنهي في آية القتال هذه في قوله تعالى : * ( فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى السَّلْمِ ) * إنما هو عن الابتداء بطلب السلم .
والأمر بالجنوح إلى السلم في آية الأنفال محله فيما إذا ابتدأ الكفار بطلب السلم والجنوح لها ، كما هو صريح قوله تعالى : * ( وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) * .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة * ( وَاللَّهُ مَعَكُمْ ) * قد قدمنا الآيات الموضحة له في آخر سورة النحل في الكلام على قوله تعالى * ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ) * وهذا الذي ذكرنا في معنى هذه الآية أولى وأصوب مما فسرها به ابن كثير رحمه الله .
وهو أن المعنى : لا تدعوا إلى الصلح والمهادنة وأنتم الأعلون أي في حال قوتكم وقدرتكم على الجهاد .
أي ، وإما إن كنتم في ضعف وعدم قوة فلا مانع من أن تدعوا إلى السلم أي الصلح والمهادنة ، ومنه قول العباس بن مرداس السلمي : ومنه قول العباس بن مرداس السلمي :
* السلم تأخذ منها ما رضيت به
* والحرب تكفيك من أنفاسها جرع
*
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة * ( وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) * أي لن ينقصكم شيئاً من ثواب أعمالكم .
وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة من عدم نقصه تعالى شيئاً من ثواب الأعمال جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى * ( وَإِن تُطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً ) * أي لا ينقصكم من ثوابها شيئاً .
وقوله تعالى : * ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ
أضواء البيان — صفحة 390
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣٩٠