: * ( تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ) * إلى غير ذلك من الآيات .
واعلم : أن لبعض أهل العلم في بعض الآيات التي ذكرنا أقوالاً غير ما ذكرنا . ولكن هذا التدريج الذي ذكرنا دل عليه استقراء القرآن في تشريع الأحكام الشاقة ، ونظيره شرب الخمر فإن تركه شاق على من اعتاده ، فلما أراد الله أن يحرم الخمر حرمها تدريجاً . فذكر أولاً بعض معائبها كقوله تعالى : * ( يَسْألُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ) * ثم لما استأنست نفوسهم بأن في الخمر إنما أكثر مما فيها من النفع ، حرمها عليهم في أوقات الصلاة بقوله تعالى : * ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلَواةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى ) * . فكانوا بعد نزولها ، لا يشربونها إلا في وقت يزول فيه السكر قبل وقت الصلاة ، وذلك بعد صلاة العشاء وبعد صلاة الصبح لأن ما بين العشاء والصبح يصحو فيه السكران عادة . وكذلك ما بين الصبح والظهر . وهذا تدريج من عيبها إلى تحريمها في بعض الأوقات . فلما استأنست نفوسهم بتحريمها حرمها عليهم تحريماً عاماً جازماً بقوله : * ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالاٌّ نصَابُ وَالاٌّ زْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) * إلى قوله : * ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ) * وكذلك الصوم ، فإنه لما كان الإمساك عن شهوة العرج والبطن شاقاً على النفوس ، وأراد تعالى تشريعه شرعه تدريجاً فخير أولاً بين صوم اليوم وإطعام المسكين في قوله : * ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ) * فلما استأنست النفوس به في الجملة ، أوجبه أيضاً إيجاباً عاماً جازماً بقوله : * ( فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) * وقال بعض أهل العلم : التدريج في تشريع الصوم على ثلاثة مراحل كما قبله قالوا : أوجب عليهم أولاً صوماً خفيفاً لا مشقة فيه وهو صوم يوم عاشوراء وثلاثة من كل شهر ، ثم لما أراد فرض صوم رمضان شرعه تدريجاً على المرحلتين اللتين ذكرناهما آنفاً ، هكذا قالته جماعات من أهل العلم ، وله اتجاه والعلم عند الله تعالى . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : * ( وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) * يشير إلى معنيين .
أحدهما : أن فيه الإشارة إلى وعده للنبي وأصحابه ، بالنصر على أعدائهم كما قال قبله قريباً : * ( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ) * .
والمعنى الثاني : أن الله قادر على أن ينصر المسلمين على الكافرين من غير قتال
أضواء البيان — صفحة 264
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٢٦٤