تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
فالعذر له وجه في الجملة ، كما يشير إليه قوله تعالى في القصة في هذه السورة الكريمة * ( قَالَ ياهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى ) * . والمصدر في قوله * ( بِمَلْكِنَا ) * مضاف إلى فاعله ومفعوله محذوف ، أي بملكنا أمرنا . وقال القرطبي : كأنه قال بملكنا الصواب بل أخطأنا . فهو اعتراف منهم بالخطأ . وقال الزمخشري : * ( أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ ) * : الزمان ، يريد مدة مفارقته لهم . تنبيه كل فعل مضارع في القرآن مجزوم ب ( لم ) إذا تقدمتها همزة استفهام . كقوله هنا : * ( أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ) * فيه وجهان معروفان عند العلماء : الأول أن مضارعته تنقلب ماضوية ، ونفيه ينقلب إثباناً . فيصير قوله : * ( أَلَمْ يَعِدْكُمْ ) * بمعنى وعدكم ، وقوله : * ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) * بمعنى شرحنا ، وقوله : * ( أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ ) * ، جعلنا له عينين . وهكذا . ووجه انقلاب المضارعة ماضوية ظاهر ، لأن ( لم ) حرف قلب تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى المضي كما هو معروف . ووجه انقلاب النفي إثباتاً أن الهمزة إنكارية ، فهي مضمنة معنى النفي ، فيتسلط النفي الكامن فيها على النفي الصريح في ( لم ) فينفيه ، ونفي النفي إثبات فيؤول إلى معنى الإثبات . الوجه الثاني أن الاستفهام في ذلك التقرير ، وهو حمل المخاطب على أن يقر فيقول ( بلى ) وعليه فالمراد من قوله * ( أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ) * حملهم على أن يقروا بذلك فيقولوا بلى هكذا . ونظير هذا من كلام العرب قول جرير : أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ) * حملهم على أن يقروا بذلك فيقولوا بلى هكذا . ونظير هذا من كلام العرب قول جرير : * ألستم خير من يركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح * فإذا عرفت أن قوله هنا * ( فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً ) * إلى قوله * ( بِمَلْكِنَا ) * قد بين الله فيه أن موسى لما رجع إليهم في شدة غضب مما فعلوا وعاتبهم قال لهم في ذلك العتاب * ( أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ ) * فاعلم أن بعض عتابه لهم لم يبينه هنا ، وكذلك بعض فعله ، ولكنه بينه في غير هذا الموضع . كقوله في ( الأعراف ) في القصة بعينها : * ( وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ