ضمير الفاعل في قوله * ( يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ ) * راجع إلى الكافر المشار إليه في قوله * ( وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالاٌّ خِرَةَ ذالِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) * أي يدعو ذلك الكافر المذكور من دون الله ، ما لا يضره ، إن ترك عبادته ، وكفر به ، وما لا ينفعه ، إن عبده وزعم أنه يشفع له .
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن الأوثان ، لا تضر من كفر بها ، ولا تنفع من عبدها بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى : * ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَاؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِى الاٌّ رْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) * وقوله تعالى عن نبيه إبراهيم * ( قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) * .
إذ المعنى : أنهم اعترفوا بأنهم لا يسمعون ، ولا ينفعون ولا يضرون ، ولكنهم عبدوهم تقليداً لآبائهم . والآيات بمثل ذلك كثيرة .
تنبيه
فإن قيل : ما وجه الجمع بين نفيه تعالى النفع والضر معاً ، عن ذلك المعبود من دون الله في قوله * ( مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ ) * مع إثباتهما في قوله :
* ( يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ) * . لأن صيغة التفضيل في قوله : أقرب دلت على أن هناك نفعاً ، وضراً ، ولكن الضر أقرب من النفع .
فالجواب : أن للعلماء أجوبة عن ذلك .
منها : ما ذكره الزمخشري : قال : فإن قلت : الضر والنفع منفيان عن الأصنام ، مثبتان لها في الآيتين ، وهذا تناقض .
قلت : إذا حصل المعنى ذهب هذا الوهم . وذلك أن الله تعالى سفَّه الكافر ، بأنه يعبد جماداً لا يملك ضراً ، ولا نفعاً ، وهو يعتقد فيه بجهله وضلاله ، أنه يستنفع به ، حين يستشفع به ، ثم قال يوم القيامة : يقول هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ودخوله النار بعبادتها ، ولا يرى أثر الشفاعة التي ادعاها لها : * ( لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ
أضواء البيان — صفحة 284
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٢٨٤