العلة الغائية ، كقوله * ( فَالْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ) * . ونحو ذلك لام العاقبة ، والبلاغيون يزعمون أن في ذلك استعارة تبعية ، في معنى الحرف . وقد وعدنا بإيضاح ذلك في سورة القصص .
ونقول هنا : إن الظاهر في ذلك : أن الصواب فيه غير ما ذكروا ، وأن اللام في الجميع لام التعليل ، والمعنى واضح لا إشكال فيه كما نبه عليه الحافظ ابن كثير رحمه الله في مواضع من تفسيره .
وإيضاح ذلك : أن الله هو الذي قدر على الكافر في أزله أن يجادل في الله بغير علم في حال كونه لاوي عنقه إعراضاً عن الحق ، واستكباراً . وقد قدر عليه ذلك ليجعله ضالاً مضلاً . وله الحكمة البالغة في ذلك ، كقوله * ( إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ ) * أي لئلا يفقهوه . وكذلك * ( فَالْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ ) * : أي قدر الله عليهم أن يلتقطوه ، لأجل أن يجعله لهم عدواً وحزناً . وهذا واضح لا إشكال فيه كما ترى . وما ذكره جل وعلا في هذه الآية : من إعراض بعض الكفار عن الحق واستكبارهم أوضحه في آيات أخر من كتاب الله ، كقوله تعالى * ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا ) * وقوله تعالى * ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ) * وقوله تعالى * ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً ) * وقوله تعالى عن لقمان في وصيته لابنه * ( وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ) * أي لا تمل وجهك عنهم ، استكباراً عليهم . وقوله تعالى عن فرعون * ( وَفِى مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ ) * فقوله * ( فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ ) * بمعنى : ثنى عطفه . وقوله تعالى * ( وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ) * إلى غير ذلك من الآيات : وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة * ( لَهُ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ ) * أي ذل وإهانة . وقد أذل الله الذين جادلوا في الله بغير علم ، ولا هدى ، ولا كتاب منير : كأبي جهل بن هشام ، والنضر بن الحارث بالقتل يوم بدر .
ويفهم من هذه الآية الكريمة أن من ثنى عطفه استكباراً عن الحق وإعراضاً عنه عامله
أضواء البيان — صفحة 281
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٢٨١