الأول أن معنى * ( رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا ) * أي كانت السماوات والأرض متلاصقة بعضها مع بعض ، ففتقها الله وفصل بين السماوات والأرض ، فرفع السماء إلى مكانها ، وأقر الأرض في مكانها ، وفصل بينهما بالهواء الذي بينهما كما ترى .
القول الثاني أن السماوات السبع كانت رتقاً . أي متلاصقة بعضها ببعض ، ففتقها الله وجعلها سبع سماوات ، كل اثنتين منها بينهما فصل ، والأرضون كذلك كانت رتقاً ففتقها ، وجعلها سبعاً بعضها منفصل عن بعض .
القول الثالث أن معنى * ( رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا ) * أن السماء كانت لا ينزل منها مطر ، والأرض كانت لا ينبت فيها نبات ، ففتق الله السماء بالمطر ، والأرض بالنبات .
القول الرابع * ( رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا ) * أي في ظلمة لا يرى من شدتها شيء ففتقهما الله بالنور . وهذا القول في الحقيقة يرجع إلى القول الأول ، والثاني .
الخامس وهو أبعدها لظهور سقوطه . أن الرتق يراد به العدم . والفتق يراد به الإيجاد . أي كانتا عدماً فأوجدناهما . وهذا القول كما ترى .
فإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه الآية ، فاعلم أن القول الثالث منها وهو كونهما كانتا رتقاً بمعنى أن السماء لا ينزل منها مطر ، والأرض لا تنبت شيئاً ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات قد دلت عليه قرائن من كتاب الله تعالى .
الأولى أن قوله تعالى : * ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ ) * يدل على أنهم رأوا ذلك . لأن الأظهر في رأى أنها بصرية ، والذي يرونه بأبصارهم هو أن السماء تكون لا ينزل منها مطر ، والأرض ميتة هامدة لا نبات فيها . فيشاهدون بأبصارهم إنزال الله المطر ، وإنباته به أنواع النبات .
القرينة الثانية أنه أتبع ذلك بقوله : * ( مِنَ ) * . والظاهر اتصال هذا الكلام بما قبله . أي وجعلنا من الماء الذي أنزلناه بفتقنا السماء ، وأنبتنا به أنواع النبات بفتقنا الأرض كل شيء حي .
القرينة الثالثة أن هذا المعنى جاء موضحاً في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى : * ( وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الرَّجْعِ وَالاّرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ) * لأن المراد بالرَّجْع نزول المطر منها تارة بعد أخرى ، والمراد بالصَّدْع : انشقاق الأرض عن النبات . وكقوله تعالى : * ( فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ) * * ( ثُمَّ شَقَقْنَا الاٌّ رْضَ شَقّاً ) *
أضواء البيان — صفحة 141
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص١٤١